هنا حلايب وشلاتين.. الدستور فى أقصى نقطة على الحدود الجنوبية: حياة حديثة على غرار المدن الكبرى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اهتز الهاتف المحمول معلنًا عن حالة طقس تصل درجة حرارته الصغرى إلى ١٧ والعظمى ٢٦ درجة مئوية، معلنًا عن الوصول إلى أقصى الجنوب الشرقى لمصر وتحديدًا «حلايب وشلاتين»، أرقام هادئة على غير ما توحى به الصحراء، كأن المكان يختار أن يقدّم نفسه بلا ضجيج. 

بدا المشهد مألوفًا، وكأن الزمن يعيد فتح دفاتره القديمة، ويستدعى أرضًا عرفت القسوة قبل أن تعرف الطرق الممهدة والكهرباء وإشارات الشبكة، هنا فى حلايب وشلاتين، لا يمر الطقس كخبر عابر على شاشة، بل كذاكرة متجذرة فى المكان، أرض عبرتها القوافل وسكنتها القبائل وراكمت طبقات من التاريخ الصامت.

وبينما يختفى إشعار شاشة الهاتف المحمول بضغطة إصبع، تبقى المنطقة حاضرة بثقلها، كأنها تذّكر الزائرين منذ اللحظة الأولى أن هذه الرحلة ليست مجرد انتقال جغرافى، بل دخول إلى قلب حكاية مصرية بعيدة عن المركز قريبة من الجوهر.

لم أدخل «حلايب وشلاتين» كما يدخله الخيال المصرى المُعلق فى رأسه منذ عقود، لم أجد رجالًا يطاردون الزمن على ظهور الجمال، ولا قرى معزولة تُدار بالحكايات القديمة وحدها، ولا مكانًا متجمدًا خارج التاريخ.

دخلتها كما لو أننى أعبر بوابة مدينة أعرفها، لكننى لم أزرها من قبل، مكان مألوف وغريب فى آن واحد، يشبه القاهرة فى صخب التفاصيل اليومية، ويختلف عنها فى صفاء النظرة إلى الأشياء، وفى علاقتها الأقل توترًا بالوقت.

c842b798e2.jpg

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن المشكلة لم تكن يومًا فى المكان، بل فى صورته الذهنية، الصورة التى صُنعت عنه من بعيد، وتناقلتها الحكايات المختصرة، والكسل المعرفى، واللغة الإعلامية التى تحب الاختزال، حلايب وشلاتين كانتا دائمًا تُقدمان بوصفهما «الهامش»، أو «الأطراف»، أو «القبائل»، وكأن هذه الكلمات تفسر كل شىء، وتغلق باب الأسئلة فى الوقت نفسه.

فى رواية «فساد الأمكنة»، كتب الروائى والكاتب المصرى الراحل صبرى موسى عن الجغرافيا بوصفها كائنًا حيًا، عن الأرض التى لا تكتفى بأن تكون مسرحًا للأحداث، بل تصنع الإنسان وتعيد تشكيله، تفرض عليه شروطها القاسية وتختبر هشاشته، ثم تتركه وحيدًا فى مواجهة أسئلة الوجود العارية، كان المكان فى الرواية قوة طاغية، تفسد البشر أو تكشفهم، وربما تفعل الأمرين معًا.

هنا، فى أقصى الجنوب الشرقى من مصر، شعر محرر «الدستور» أن المكان ما زال يحتفظ بقدرته القديمة على الفعل، لكنه لم يعد فاسدًا بالمعنى الذى قصده الكاتب الكبير، لم يعد معزولًا بما يكفى ليبتلع الإنسان، ولا قاسيًا إلى درجة أن يتركه بلا سند، ما رأيته ولمسته بين المنازل والوديان والجبال، أن المكان قد تغير أو بالأحرى أن العلاقة بينه وبين الدولة تغيرت، فانعكس ذلك على علاقة الناس بأنفسهم، وبحياتهم اليومية.

3b92a2190f.jpg

الصورة النمطية عن المكان النائى «مغلوطة».. والشباب يواكبون أحدث الترندات

الطريق إلى شلاتين لا يقودك فقط عبر الصحراء، بل عبر طبقات كثيفة من التصورات المسبقة، كل ما تعلّمناه عن هذا الإقليم كان مختصرًا فى كلمة واحدة «القبائل»، وهى كلمة واسعة، فضفاضة، تُستخدم أحيانًا كتصنيف ثقافى، وأحيانًا كحائط صد يمنع رؤية الواقع كما هو.

لكن أول ما ينهار هنا هو هذا الاختزال، فالناس ليسوا «قبائل» فقط، بل مواطنين، موظفين، طلابًا، مستخدمى إنترنت، صانعى محتوى على «تيك توك»، مرضى يترددون على المستشفى العام، وعملاء ينتظرون دورهم فى البنك، وجدت أن الصورة الفلكلورية التى اعتاد المركز أن يراهم بها لا تصمد طويلًا أمام التفاصيل اليومية.

لم أشعر أننى فى هامش الدولة، بل فى قلب تجربة مصرية تحاول أن تلحق بزمنها دون أن تتخلى عن جلدها القديم، قسم الشرطة حاضر، المستشفى يعمل، البنوك تفتح أبوابها، المصالح الحكومية تؤدى وظائفها اليومية، شبكة الإنترنت لا تتقطع، الهواتف المحمولة ليست مجرد أدوات اتصال، بل نوافذ مفتوحة على العالم، ففى المقاهى يجلس شباب يتنقلون بين المقاطع القصيرة، يضحكون، يتبادلون التعليقات، يعلقون على ترندات القاهرة، كما لو كانوا جزءًا منها، لا متفرجين من بعيد، هنا، لا تشعر أن هناك فجوة معرفية أو زمنية، بل اختلافًا فى الإيقاع فقط.

فى «فساد الأمكنة»، كان المكان يُرهق الإنسان، يسحبه إلى حدوده القصوى، يختبر صلابته، ويكشف هشاشته أمام الطبيعة القاسية، أما هنا فالعلاقة انقلبت جزئيًا، الإنسان لم يعد وحيدًا فى مواجهة الصحراء، بل محاطًا ببنية خدمية تحاول أن تروض الجغرافيا دون أن تمحوها، فالجبل ما زال فى مكانه، والبحر ما زال يفرض إيقاعه، والحر لا يرحم والبرد قارس فى المساء، لكن يد العمران وصلت، لا بوصفها قوة قهر، بل كنوع من الحديث الطويل مع المكان.

وهذا الشعور يظهر فى التفاصيل الإنسانية الصغيرة، فى طريقة حديث الناس عن بيوتهم الجديدة، عن المدارس، عن المستشفى، عن الطرق التى اختصرت المسافات، دون أن تُلغى شعورهم بأنهم أبناء أرض مختلفة، لم يتخلوا عن عاداتهم، ولم يدخلوا فى صدام معها، بل أعادوا ترتيبها داخل واقع جديد.

الأعراس ما زالت تحمل طابعها المحلى، الروابط العائلية قوية، احترام الكبير حاضر، لكن كل ذلك يعيش جنبًا إلى جنب مع الهاتف الذكى، ومع فكرة الوظيفة الحكومية، ومع طموح تعليم الأبناء فى الجامعات، لا تناقض صارخ هنا، بل تراكب هادئ، وهو ما يلفت النظر أن الإحساس بالانتماء لمصر هنا ليس شعارًا مرفوعًا، بل ممارسة يومية، فى المصالح الحكومية، فى المدارس، فى لغة الناس، فى متابعتهم للأخبار، فى اهتمامهم بما يحدث فى القاهرة والإسكندرية، خاصة أن المكان لم يعد طرفًا بعيدًا، بل مساحة تُعاد صياغتها داخل الخريطة الوطنية.

1ba5da75da.jpg

«الخلاوى» نظام تعليمى يتكامل مع المدارس لإتقان اللغة العربية والقرآن الكريم

حين يُذكر اسم حلايب، شلاتين، أبورماد، رأس حدربة، لا تأتى الأخبار محملة بالضجيج، بل بدرجات الحرارة، بحركة الرياح، وبسكون يبدو وكأنه صفة أصيلة للمكان، هدوء ليس ناتجًا عن الفراغ، بل عن اتساع المساحة، عن أرض لا ترفع صوتها كى تُرى.

شلاتين اسم يحمل معنى السلام، وربما لهذا تحولت فى السنوات الأخيرة إلى مركز استقرار، هنا جرى تسكين المواطنين فى مئات الوحدات السكنية، ونقل مئات الأسر من مناطق صعبة إلى مساكن أكثر أمانًا، المسافة من القاهرة إلى المدينة تبلغ أكثر من ألف كيلومتر.

فى شلاتين، لا يبدأ التعليم دائمًا مع جرس المدرسة لأنه يسبق ذلك بساعات، وقبل أن تفتح المصالح الحكومية أبوابها، تتحرك الخلاوى بهدوء، كما لو أنها جزء من نظام غير مكتوب متوارث لكنه ما زال فاعلًا، وساقنى القدر إلى زيارة «خلوة» آل مصطفى، مكان فسيح خلف مسجد شهير، يتجمع نحو مئة وخمسين طفلًا مع أول ضوء للفجر، ثم يعودون مرة أخرى بعد صلاة العصر، فى انتظام لا يحتاج إلى إعلان أو لافتة.

الخلاوى تُشبه إلى حد كبير «الكتاتيب» التى تعرفنا وتعلمنا فيها قديمًا، بوصفها مؤسسة تعليمية، ولذلك فإن الخلوة ليست طارئة على هذه المنطقة، تاريخها مرتبط بالطرق الصوفية التى انتشرت فى جنوب مصر وشرق السودان، وكانت وسيلة رئيسية لتعليم القرآن واللغة العربية، وربط الناس بالدين واللغة فى بيئات بعيدة عن المراكز الحضرية، ومع تغير الزمن، لم تختف الخلاوى، لكنها أعادت تعريف نفسها، لم تعد بديلًا للتعليم الرسمى، بل مكملًا له، يؤدى وظيفة محددة يعرفها الأهالى جيدًا.

a7d17333dd.jpg

داخل الخلوة، يجلس الأطفال فى صفوف متقابلة، رصًا دقيقًا، فوق الأرض، بجلاليبهم الصغيرة، البيضاء والسوداء فى الأغلب، نظيفة وبسيطة، لا تحمل أى تمييز، الجميع متشابهون فى الهيئة، مختلفون فقط فى ملامحهم، وفى طريقة نطقهم للحروف، وأمام كل طفل لوح خشبى، كُتبت عليه بالمداد «الحبر» آيات من القرآن الكريم أو تدريبات على الحروف العربية، لا دفاتر، ولا كتب مطبوعة، بل خشب وحبر وماء للمحو.

طريقة الكتابة على الألواح تفرض إيقاعها الخاص، الحروف تُرسم ببطء، واضحة، منفصلة، كأن الطفل يُجبر على رؤية كل حرف على حدة قبل أن ينتقل إلى الذى يليه، الأصابع الصغيرة تمسك بالأقلام بثبات مكتسب، بعضها متسخ بالحبر، وبعضها يحمل آثار محاولات متكررة للمحو والكتابة من جديد، الخطأ هنا لا يُشطب، بل يُمحى بالكامل، ليبدأ السطر من جديد، فى تدريب غير مباشر على الصبر والدقة.

القراءة هنا فى «الخلاوى» ليست صامتة، فالأصوات ترتفع وتنخفض، تتداخل، فتبدو كأنها موجة واحدة غير متجانسة، طفل يخطئ فى المدّ، آخر يبتلع حرفًا، وثالث يتوقف فجأة ثم يكمل، المُعلم «الشيخ» لا يصرخ، لا يوبخ، لا يستعجل، فقط يُصحح بإشارة، أو بكلمة قصيرة، وأحيانًا يترك الطفل يكتشف الخطأ بنفسه عبر التكرار، هنا الحفظ ليس سباقًا، بل عملية تراكمية، بطيئة، لكنها راسخة.

يقول المسئولون لـ«الدستور» إنه رغم طابعها التقليدى، لا تعيش الخلوة فى عزلة عن الواقع الحديث، فمعظم الأطفال الملتحقين بها يدرسون فى المدارس الحكومية صباحًا، خاصة أن الخلوة لا تنافس المدرسة، بل تكمّلها، خصوصًا فى تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، فى منطقة لا تزال اللهجة البيجاوية هى لغة الحياة اليومية لدى نسبة كبيرة من السكان «وهى لغة شفوية لا تكتب تشبه النوبية» إلى جانب اللغة العربية الأصيلة لديهم، وبالنسبة للأهالى، تمثل الخلوة ضمانة مبكرة لإتقان العربية، وربط الأبناء بنص دينى أساسى دون تعارض مع المناهج الرسمية.

3e5cd69806.jpg

مواطن: كل شىء متاح والدولة لم تُقصر

عثمان حسن، من أبناء شلاتين الذين التقتهم «الدستور»، قال إن تعليمه توقف عند المرحلة الثانوية، لم يكمل الطريق الأكاديمى طويلًا، لكنه حفظ من القرآن ما استطاع، وحمل من الحياة ما يكفى ليعرف معناها، عمل فى الرعى وتجارة ألبان الجمال، وجرب مثل كثيرين هنا أن يصنع رزقه بيده، فى أرض لا تعطى بسهولة، لكنها لا تخذل من يصبر عليها.

يقول «عثمان» ببساطة إن الحياة مستقرة، وإن الدولة لم تُقصر، والأوراق الرسمية لديه ولعائلته مكتملة، والتعليم متاح، والخدمات واضحة فى قلب الشارع الرئيسى، بما فيها من وحدات حكومية، بنك، ومؤسسات رسمية تعمل، ومستوى خدمة يراه جيدًا ويشعر به يوميًا، موضحًا أنه مواطن كامل الحقوق، وعندما يحتاج إلى العلاج، يسافر إلى مصر «القاهرة»، كما يفعل أى مواطن، يشترى ما يلزمه، ويقضى شأنه ثم يعود.

يضيف «عثمان»: «هنا، التجارة جزء من الحياة، وتجارة الجمال على وجه الخصوص تشكل عمودًا أساسيًا للاقتصاد المحلى، الجمال تُباع وتُربى، يُستفاد من لبنها، وتُستخدم فى العمل، ولكل نوع قيمته ورزقه، تجارة يعرفها الناس هنا جيدًا، ويكسبون منها ما يسد احتياجاتهم».

لكن صوته يتغير حين يأتى الحديث عن أولاده، يتمنى لهم الخير كله، يتمنى أن يتعلموا تعليمًا حقيقيًا، أن يكبروا فى مدارس أفضل مما عرف هو، وأن يصلوا إلى وظائف محترمة فى الدولة، يخدمون وطنهم ويشعرون بقيمتهم، مؤمنًا بأن التعليم هو الفارق الأكبر، وأن ما تغير فى السنوات الأخيرة كان واضحًا، خاصة فى المدارس والوعى بأهميتها.

d909415eda.jpg

شيخ قبيلة: لسنا هامشًا.. والبلد تحول لمنطقة تجارية نشطة

الشيخ محمد أوشيك، أحد مشايخ مدينة شلاتين، يتحدث عائدًا بالذاكرة إلى سنوات بعيدة، حين كانت شلاتين أرضًا قاسية، قليلة السكان، يعيش أهلها حول الجبال، ويحلمون بأبسط الحقوق، أما اليوم فقد تغيّر كل شىء من مبانٍ حديثة، مدارس، مستشفيات، شبكات اتصالات، إنترنت، وحياة كاملة تشكلت فوق أرض كانت منسية.

يؤكد الشيخ «أوشيك» أنه لم تعد شلاتين هامشًا، تحولت إلى منطقة تجارية نشطة، تستورد السمسم والماشية والجمال من السودان، وتصدر فى المقابل احتياجات وسلعًا من الداخل المصرى، معتبرًا أن تجارة الجمال تظل ركيزة أساسية بسلالاتها المختلفة، بعضها للرعى وبعضها للأكل، وبعضها للاستفادة من الألبان، إلى جانب ذلك يوجد ميناء لصيد الأسماك، وشركات تعمل فى مجال الثروة السمكية، توفر فرص عمل مباشرة لأبناء المنطقة.

341.jpeg

وكشف عن أن الشباب لم يتخلوا عن مهنهم التقليدية، بل توسعت خياراتهم، الرعى والصيد مستمران، إلى جانب العمل فى شركات التعدين التى وفرتها الدولة، فى إطار تقنين النشاط وحماية الشباب من العمل العشوائى، مبينًا أن هذه الشركات فتحت أبواب رزق جديدة، وجعلت العمل منظمًا وآمنًا، وأن معظم العاملين بها من أبناء المنطقة.

وفى التعليم، يشير إلى تحول واضح، فلم يعد التسرب المدرسى ظاهرة، والمدارس أصبحت مكتملة المراحل، من الابتدائى إلى الثانوى، مع تخصصات فنية تشمل التعدين والزراعة والتمريض، والبنات التحقن بالتعليم والعمل، وأصبحن جزءًا فاعلًا من المجتمع، بدعم من المجلس القومى للمرأة والجمعيات الأهلية، وبرامج محو الأمية.

ويتحدث الشيخ عن الخلاوى باعتبارها قلب الهوية الثقافية والدينية، أماكن قديمة متجددة، يُحفظ فيها القرآن الكريم، وتُعلَّم العربية الفصحى، وتخرج أجيالًا تعرف دينها ولغتها، مؤكدًا أن أبناء شلاتين الذين سافروا إلى القاهرة أو غيرها ما زالوا مرتبطين بجذورهم، يعودون، ويرسلون أبناءهم، ويحافظون على الصلة بالمكان.

وحين يُسأل عن العادات والتقاليد، يوضح أن القبائل متعددة، لكن الروح واحدة. الزواج له تقاليده، تقوم على المسئولية والاحترام، مع انفتاح واضح على التعليم والاختيار، لكنهم ما زالوا يشترطون على الأزواج الذين يأتون من خارج القبائل ومن خارج شلاتين بأن يمكثوا عامًا كاملًا فى شلاتين قبل أن ينتقل هو والعروس إلى أى مكان يريدان، وذلك لأن من تقاليدهم أن تلد فتيات البلد إلى جوار أمهاتهم فى أول ولادة بكرية لهن.

«الحياة هنا تغيرت تمامًا»، يقولها بوضوح، موجهًا رسالته لمن ما زالوا يتصورون حلايب وشلاتين كصحراء منعزلة، يدعوهم أن يأتوا ويروا بأعينهم: مدن تنمو، تجارة تتحرك، وشعب يعرف تمامًا أنه جزء أصيل لا يتجزأ من الدولة المصرية.

332.jpeg

«الجَبَنَة» مشروب رسمى وطقس يومى 

لا تكفى الزيارة العابرة لفهم هذا المجتمع، لا بد من المعايشة؛ فالإقامة وسط أهالى شلاتين وأبورماد وحلايب تمنحك فرصة أن تكون واحدًا منهم.. ترى الجبل كما يرونه، وتشرب «الجَبَنَة»، مشروبهم الرسمى الذى لا يخلو منه بيت ولا سوق.

يحمّص البن حتى الاحتراق، ويُضاف إليه الزنجبيل، ويُطحن. أمام الضيف، ويُغلى فى إناء فخارى أو ألومنيوم، ثم يُقدم فى صمت يشبه الطقس، داخل فناجين صغيرة الحجم مصنوعة من الخزف، ويقدم للضيوف بعد الإفطار. أدوات تجهيزه موجودة داخل كل بيت، ويقول أهل المكان إن «الجَبَنَة» يقوى المناعة وينشط الذاكرة ويذيب الدهون ويقلل الشعور بالعطش.

وعلى مأدبة طعام، شاركنا فيها الشيخ تاج السر محمد آدم، أحد أبناء شلاتين، قال لـ«الدستور»: «إن الحياة فى حلايب وشلاتين هادئة وبعيدة عن الضغوط والصخب».

بعد ذلك ذهبنا إلى مستشفى شلاتين المركزى، والتقينا هناك مديره الدكتور محمد المسيرى، وقال إن المستشفى يقدم خدمات متنوعة، ويضم أقسامًا عديدة: «الرمد والباطنة والجراحة والأطفال والنساء والتوليد والعظام»، مشيرًا إلى أن المعمل جرى تطويره وتزويده بأجهزة حديثة لتحليل الدم ووظائف الكبد والكلى، لتقديم خدمة تشخيصية متكاملة لأهالى المدينة.

ولا يقتصر دور المستشفى على تقديم الخدمة داخل أسواره، بل يمتد إلى المناطق الجبلية والنائية من خلال القوافل الطبية المتنقلة، التى تفحص المواطنين فى أماكن إقامتهم، وتحول الحالات التى تحتاج إلى تدخل أكبر إلى المستشفى مع تقارير طبية دقيقة لضمان سرعة التعامل معها.

333.jpeg

إذاعة محلية تربط العقول والقلوب بنغمة واحدة.. والست حاضرة

«إذاعة حلايب» واحدة من تفاصيل المجتمع هناك، ورغم عدم تعلق الجيل الجديد من الشباب بها واهتمامهم بمنصات مثل «تيك توك»، لا تزال هى الأقرب للشيوخ.

هى إذاعة محلية لا تنافس القنوات الكبرى، لكنها تؤدى دورًا يتجاوز كونها وسيلة إعلام؛ صوت مألوف يرافق الناس فى البيوت، وفى المحال الصغيرة، وعلى الطرق الممتدة بين القرى.

بدأ بث «إذاعة حلايب» عام ١٩٩٥ للمرة الأولى، بهدف ربط أبناء المثلث الحدودى الجنوبى بوطنهم الأم، ونقل آرائهم إلى المسئولين فى العاصمة، وحتى الآن يضبط كثيرون أجهزة الراديو عليها دون تفكير، كأن الصوت جزء من المكان، وفى أوقات بعينها، يعلو صوت أم كلثوم.

لا أحد يتعامل مع «إذاعة حلايب» بوصفها حنينًا مصطنعًا، بل كعادة قديمة استقرت فى الذاكرة السمعية للناس؛ صوتها ينساب فى الصباح الباكر أو مع الغروب، ويتداخل مع حركة السوق، ومع صمت الصحراء المحيط، وربما لا ينتبه بعض المستمعين إلى الأغنية نفسها، بقدر ما ينتبهون إلى الإحساس بالألفة الذى يصاحبها. 

هنا، تصبح أم كلثوم رابطًا غير مباشر بين حلايب وبقية مصر، صوت يعرفه الجميع، حتى من لم ير القاهرة يومًا، لكنه سمعها مرارًا عبر موجات الأثير، كل ذلك بالإضافة إلى نشرات محلية، وتنبيهات، وأخبار تخص المنطقة، وأحيانًا رسائل اجتماعية.

الإذاعة تمنح المكان صوته الخاص، دون أن تقطعه عن الصوت العام للوطن، وفى موازاة هذا الصوت الهادئ، تتحرك التنمية بخطى محسوبة؛ طرق جديدة اختصرت المسافات، ومحطات مياه وكهرباء، ووحدات صحية، ومستشفى مركزى، ومدارس، ومشروعات إسكان، وميناء صيد، وطاقة شمسية، وأسواق. كل هذه العناصر لم تُلغِ طبيعة المكان، لكنها أعادت ترتيب العلاقة معه.

انتهت رحلتى بيقين أنه لا يمكن اختزال حلايب وشلاتين فى صورة واحدة، فليستا فردوسًا، ولا هامشًا منسيًا، لكنهما مكان حى، يتحرك، ويتغير، ويعيد تعريف نفسه بهدوء. مكان لا يطلب أن يُنظر إليه بعين الشفقة، بل بعين الفهم، وربما المشكلة لم تكن يومًا فى حلايب وشلاتين، بل فى الطريقة التى نظرنا بها إليهما طويلًا، وحين نغير طريقة النظر، يتغير المكان فى وعينا، قبل أن يتغير على الأرض.

334.jpeg

المبادرات الرئاسية نقطة أمان

كنت مشغولًا طوال الطريق من شلاتين إلى حلايب بتأمل السهول الممتدة بمحاذاة البحر، وعلمت من شيوخ المنطقة وآبائها أن هذه الأرض والجبال خاصة «جبل علبة» تكتسى بالخضرة بعد هطول الأمطار، ثم تجف فى الصيف، فتتحول إلى رمال، كما لو أنها تعيد كتابة نفسها كل عام.

ساقنا القدر فى حلايب، إلى لقاء يوسف على محمد طاهر، من قبيلة البشارية، ويعيش فى أبورماد، وهو أول باحث دكتوراه فى حلايب وشلاتين.

قال طاهر: «لم يكن طريقى عاديًا أو سهلًا؛ بدأت رحلتى فى التعليم العالى بجامعة جنوب الوادى، قبل أن تتحول إلى جامعة الغردقة، وتخرجت فى كلية التربية، قسم اللغة الإنجليزية، عام ٢٠١٤، ثم حصلت على دبلومة مهنية فى تكنولوجيا التعليم، ثم دبلومة خاصة، قبل أن أحصل على درجة الماجستير عام ٢٠٢١».

وأضاف: «بعد عامين، فى عام ٢٠٢٣، بدأت رسميًا رحلتى مع الدكتوراه، وسجلت بحثى فى إحدى الجامعات المصرية، وهو عبارة عن دراسة علمية تتناول تعليم اللغة والترجمة من منظور اجتماعى مقارن».

رأى أن تجربته الأكاديمية امتداد لهويته، ولا تنفصل عنها، موضحًا: «بحثى يدور حول تنمية مهارات القراءة والكتابة والترجمة لدى الطلاب، ومقارنة مداخل تعليمية مختلفة، وانتهى إلى نتيجة لافتة؛ أن الطالب المحلى، رغم خصوصية بيئته، لا يقل كفاءة عن غيره، وأن اللغة العربية تظل حاضرة ومؤثرة فى تفكيره حتى فى أثناء تعلم الإنجليزية».

وتابع: «تناقش رسالتى ثنائية وثلاثية اللغة، وتأثيرهما على حياة الناس فى حلايب وشلاتين. درست العلاقة بين البيجاوية والعربية والإنجليزية، لا بوصفها لغات منفصلة، بل بوصفها طبقات تعيش معًا داخل الفرد الواحد.. الطفل هنا قد يفكر بلغة، ويتعلم بلغة أخرى، ويحلم بلغة ثالثة».

335.jpeg

الآن يعمل طاهر موظفًا فى مجلس مدينة حلايب، وهو متزوج وأب، واختار أن يبقى فى مدينته، لا لأن الفرص أقل، بل لأن المعنى أكبر. حين يُسأل عن حلايب بالنسبة له، لا يتحدث عنها كمكان معزول، بل كمدينة تغيّرت ملامحها؛ بنية تحتية، وطرق، واتصالات، وإنترنت، ومؤسسات تعليمية وخدمية باتت جزءًا من الحياة اليومية.

وأوضح أن السلع والمواد الغذائية تصل بانتظام عبر سيارات نقل، والفرق الأكبر الذى يشعر به بين بلده وبين القاهرة أو الغردقة هو الهدوء: «الحياة هنا أقرب للطبيعة.. أقل صخبًا وأكثر اتزانًا».

وعن أبورماد، وصفها بأنها حلقة الوصل بين حلايب وشلاتين؛ هى مدينة متعلمة وبها مصالح حكومية وخدمات، وميناء قيد التشغيل، ونشاط تجارى متنام.

كما التقينا الدكتور محمد رفعت حمد، مدير الوحدة الصحية بمدينة حلايب، هذا الطبيب الشاب الذى يدير وحدة صحية فى واحدة من أبعد النقاط الحدودية جنوب مصر.

هو طبيب حديث التخرج، بدأ عمله فى وحدة صحية بإحدى القرى، ثم وجد نفسه فجأة مديرًا للوحدة ومسئولًا عن كل تفاصيلها، من استقبال المرضى إلى متابعة الطوارئ وتنظيم العمل اليومى.

وفاجأنا بأنه لم يأتِ إلى هنا صدفة، بل اختار الخدمة فى حلايب بإرادته الكاملة، بدافع الرغبة فى التعرف على مجتمعات جديدة، وفى الوقت نفسه إتاحة مساحة لاستكمال دراسته الطبية. 

ومع دعم المبادرات الرئاسية وتكامل القوافل الطبية لوزارة الصحة والقوات المسلحة، تتحول الوحدة الصحية إلى نقطة أمان حقيقية لأهالى المنطقة، لا تنتظر المرضى فقط، بل تذهب إليهم أحيانًا فى منازلهم، لتؤكد أن الرعاية الصحية يمكن أن تصل إلى أقصى الجنوب بنفس الكفاءة والاهتمام.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق