يرى العميد السابق في الجيش اللبناني جورج نادر، أن هذه الجولة تحمل دلالات سياسية مهمة، أبرزها أن الدولة اللبنانية بادرت هذه المرة إلى طلب التفاوض المباشر، بقرار من رئيس الجمهورية جوزيف عون، في خطوة تعكس ولو نظريًا رغبة في استعادة السيادة التفاوضية بعيدًا عن الوصايات الإقليمية التي لطالما طبعت مسارات سابقة.
وأضاف نادر في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن واشنطن تلقفت هذا الطلب بسرعة، انطلاقًا من اهتمامها باستقرار لبنان، رغم منحها هامشًا واسعًا لإسرائيل في عملياتها العسكرية خلال الأسابيع الماضية.
وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى من خلال هذه المفاوضات إلى تحقيق تهدئة تتيح لها التفرغ لملفات استراتيجية أكبر، في مقدمتها احتواء إيران، ولاحقًا مواجهة صعود الصين كهدف بعيد المدى.
مؤشرات إيجابية حول المفاوضات
ولفت نادر إلى ثلاثة عناصر رئيسية: أولها تأكيد الدولة اللبنانية حقها في التفاوض بنفسها، وثانيها قبول إسرائيل بالدخول في هذا المسار، وثالثها جدية الرعاية الأمريكية، التي تجلت بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ومواقفه التي وصفها بالمشجعة خلال جلسات التفاوض.
لكن في المقابل، طرح نادر جملة من التحديات الجوهرية التي قد تعيق تحقيق نتائج حاسمة. ويؤكد أن الوفد اللبناني يفتقر إلى أوراق ضغط حقيقية على طاولة المفاوضات، خصوصًا في ظل غياب السيطرة الكاملة للدولة على القرار العسكري، حيث يلعب حزب الله دورًا محوريًا في الميدان.
وطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تستطيع الدولة اللبنانية فرض وقف إطلاق النار إذا طُلب منها ذلك، في ظل رفض الحزب أساسًا لفكرة التفاوض المباشر ووضعه سقوفًا مرتفعة حتى في المفاوضات غير المباشرة؟
في المقابل، تستفيد إسرائيل من تفوقها العسكري الميداني، إذ ترفض وقف إطلاق النار وتصر على التفاوض تحت النار، مستندة إلى ما تعتبره مكاسب ميدانية، من السيطرة على قرى جنوبية، وتطويق مناطق استراتيجية، فضلًا عن قدرتها على إلحاق دمار واسع بالبنية التحتية اللبنانية.
ووفقا لنادر، هذه المعطيات تمنحها، ورقة قوة أساسية في أي مسار تفاوضي، في ظل غياب ضغوط دولية فاعلة قادرة على كبح عملياتها.
ويبرز ملف سلاح حزب الله كأحد أبرز العقد في هذه المفاوضات، بحسب نادر إذ يشكل مطلبًا رئيسيًا لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، في حين تبدو الدولة اللبنانية عاجزة – أو غير راغبة – في التعامل مع هذا الملف المعقد، نتيجة تداخل عوامل سياسية وأمنية داخلية.
هل تفضي المفاوضات إلى تهدئة مؤقتة؟
في ضوء هذه المعطيات، رجح نادر أن تفضي المفاوضات إلى تهدئة مؤقتة، لكنها لن تنجح في إنهاء الحرب أو تحقيق سلام دائم، ما لم يحدث تحول جذري في مواقف الأطراف الأساسية.
ويرى أن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين قبول حزب الله بالانخراط في مسار تفاوضي ووقف إطلاق النار، أو استمرار إسرائيل في توسيع سيطرتها الميدانية وفرض واقع أمني جديد بالقوة، على غرار ما حدث في غزة.
في المحصلة، تبقى الكلمة الفصل للميدان، الذي يفرض إيقاعه على طاولة التفاوض، في وقت يترقب فيه اللبنانيون ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، وسط مشهد مفتوح على احتمالات متعددة.












0 تعليق