سلام الضرورة: إسرائيل ولبنان في مهمة دبلوماسية لكسر قيود الصراع بواشنطن

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​شهدت العاصمة الأميركية واشنطن اليوم الثلاثاء حدثاً دبلوماسياً استثنائياً تمثل في اجتماع ثلاثي رفيع المستوى جمع بين مسؤولين من إسرائيل ولبنان برعاية مباشرة من وزارة الخارجية الأميركية. 

ترأس هذا اللقاء التاريخي وزير الخارجية ماركو روبيو بحضور نخبة من الدبلوماسيين والمستشارين من الأطراف الثلاثة لبحث سبل إنهاء الصراع الممتد. ويعكس هذا التحرك رغبة دولية جادة في صياغة مستقبل جديد للمنطقة بعيداً عن لغة الحروب والدمار.

​وحسب تقرير لـ وكالات الأنباء الدولية والبيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية فإن هذا الاجتماع يعد أول تواصل دبلوماسي بهذا المستوى الرفيع منذ عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين. 

وقد شارك فيه إلى جانب الوزير روبيو المستشار مايكل نيدهام وسفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى. ومثل الجانب الإسرائيلي السفير يحيئيل ليتر بينما مثلت الجانب اللبناني السفيرة ندى حمادة معوض في لقاء وُصف بالمثمر.

​واتفق الأطراف المشاركون في هذه الجولة الافتتاحية على إطلاق مسار مفاوضات مباشرة في زمان ومكان يتم تحديدهما لاحقاً بالتشاور بين الحكومات المعنية. وتهدف هذه الخطوة إلى كسر الجمود الطويل وتجاوز العقبات التي حالت دون التوصل إلى تفاهمات مستدامة طوال العقود الماضية. وأكد المشاركون أن الحوار هو السبيل الوحيد لمعالجة القضايا الشائكة وضمان الأمن لكل من شعبي البلدين الجارين في ظل التوترات الراهنة.

​وأعربت الولايات المتحدة عن تهنئتها الحارة للبلدين على هذا الإنجاز الذي وصفته بالتاريخي والمحوري في مسار السياسة الخارجية في الشرق الأوسط.

وشددت واشنطن على دعمها الكامل لخطط الحكومة اللبنانية الرامية إلى استعادة احتكار السلاح بيد الدولة الشرعية فقط. كما أكدت على ضرورة إنهاء النفوذ الإيراني المفرط الذي تراه واشنطن عائقاً أمام استقلال القرار اللبناني وسيادته الوطنية الكاملة على أراضيه.

​وتطمح الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترمب أن تتجاوز هذه المفاوضات حدود اتفاق عام ألفين وأربعة وعشرين المحدود. وتسعى واشنطن للوصول إلى اتفاق سلام شامل ودائم يضمن عدم عودة الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان مرة أخرى. وفي الوقت ذاته جددت الولايات المتحدة تأكيدها على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها أمام الهجمات المستمرة التي يشنها حزب الله ضد مراكزها السكانية وحدودها الشمالية.

مسار دبلوماسي جديد في أروقة واشنطن

​أكدت واشنطن في بيانها الختامي أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يمر حصراً عبر القنوات الرسمية بين الحكومتين اللبناني والإسرائيلية. ورفضت الإدارة الأميركية أي مسارات منفصلة أو تفاهمات جانبية قد تضعف دور المؤسسات الرسمية في كلا البلدين. وترى الولايات المتحدة أن رعاية هذا الاتفاق تضمن الالتزام بالمعايير الدولية وتوفر الضمانات اللازمة لاستدامة الهدوء على المدى الطويل في المنطقة.

​ولفتت الخارجية الأميركية إلى أن النجاح في هذه المفاوضات سيفتح الأبواب أمام حزم مساعدات اقتصادية ضخمة تهدف لإعادة إعمار لبنان المدمر.

وتوقعت واشنطن أن يسهم الاستقرار في جذب استثمارات كبرى وتحقيق تعافٍ اقتصادي سريع يستفيد منه الشعبان اللبناني والإسرائيلي على حد سواء. وتعد هذه الوعود الاقتصادية جزءاً أساسياً من الرؤية الأميركية لتحفيز الأطراف على تقديم التنازلات الضرورية من أجل السلام الشامل.

​من جانبه صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن هذه المحادثات تمثل فرصة تاريخية لا تتكرر كثيراً لتحقيق استقرار نهائي في هذه المنطقة المضطربة. وأشار روبيو إلى أن الهدف النهائي هو وضع حد لعقود من نفوذ حزب الله الذي أثر سلباً على استقرار الشرق الأوسط. ورغم اعترافه بتعقيد القضايا العالقة إلا أنه أعرب عن أمله في المضي قدماً لوضع الإطار العام للاتفاق المستقبلي.

​وأوضح السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر في تصريحات للصحافيين أن الحكومة اللبنانية أبدت رغبة واضحة في التحرر من سيطرة جماعة حزب الله المسلحة. وأضاف أن الجانبين ناقشا رؤية طويلة الأمد لترسيم حدود واضحة تضمن منع أي احتكاكات مستقبلية وتؤمن حياة المدنيين. ويرى ليتر أن التخلص من "الاحتلال" غير الرسمي الذي يفرضه الحزب هو مفتاح الاستقرار الحقيقي للدولة اللبنانية وسيادتها الوطنية.

​وتصر إسرائيل على أن نزع سلاح الجماعات غير الحكومية وتفكيك البنية التحتية للإرهاب هما شرطان أساسيان لأي تقدم حقيقي في العملية السلمية.

وأكدت تل أبيب التزامها بالعمل المشترك مع الحكومة اللبنانية لتحقيق هذه الأهداف الأمنية التي تخدم مصلحة الطرفين. وترى القيادة الإسرائيلية أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود ترسانات عسكرية خارج إطار سلطة الدولة اللبنانية الرسمية.

الرؤية الأميركية لمستقبل الاستقرار الإقليمي

​في المقابل شددت الدولة اللبنانية خلال الاجتماع على الحاجة الملحة للتنفيذ الكامل لإعلان وقف الأعمال العدائية الذي صدر في نوفمبر من العام الماضي. وتمسكت السفيرة ندى حمادة معوض بمبادئ وحدة الأراضي اللبنانية والسيادة الكاملة للدولة على كافة مساحتها الجغرافية دون استثناء.

وطالب الجانب اللبناني بوقف فوري لإطلاق النار للسماح بمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي يعاني منها مئات الآلاف من النازحين والمنكوبين.

​وأوضحت السفيرة اللبنانية أن الاجتماع التمهيدي كان إيجابياً وجيداً كخطوة أولى نحو حلحلة الأزمات المتراكمة التي أثقلت كاهل لبنان وجعلته ساحة للصراعات. وشكرت الجانب الأميركي على تيسير هذه المحادثات المباشرة التي تهدف لتخفيف معاناة الشعب اللبناني وتوفير ممرات آمنة للمساعدات. وأكدت معوض أن العودة الآمنة للنازحين إلى بيوتهم وقراهم في الجنوب تمثل أولوية قصوى للحكومة الحالية في بيروت.

​وأشارت السفيرة في حديثها لصحيفة الشرق الأوسط إلى تفاصيل بروتوكولية دقيقة حيث ذكرت أن الاجتماع لم يشهد مصافحة بينها وبين السفير الإسرائيلي. ويعكس هذا التفصيل حجم الحذر والحساسية السياسية التي تحيط بهذه المفاوضات في مراحلها الأولى.

ورغم غياب التواصل الجسدي إلا أن الجلوس على طاولة واحدة يعد في حد ذاته خرقاً جدارياً في تاريخ العلاقات المتوترة بين إسرائيل ولبنان.

​وتزامنت هذه التحركات الدبلوماسية مع ضغوط ميدانية كبيرة حيث يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته ضد مواقع حزب الله في مختلف المناطق اللبنانية.

وتطالب إسرائيل الحكومة اللبنانية باتخاذ خطوات فعلية لنزع سلاح الحزب كشرط مسبق لوقف إطلاق النار الشامل وتوقيع اتفاقية سلام. ويرى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن وجود الحزب يمثل مشكلة لأمن إسرائيل وسيادة لبنان على حد سواء ويجب حلها.

​وتسعى الحكومة اللبنانية الحالية برئاسة جوزيف عون ونواف سلام إلى انتزاع زمام المبادرة من القوى المسلحة غير الشرعية وسط انقسام داخلي حاد. وقد حظرت الحكومة اللبنانية الجناح العسكري لحزب الله بعد تصعيد عسكري أدى إلى توغل بري إسرائيلي في الجنوب اللبناني الشهر الماضي. وتعكس هذه القرارات رغبة السلطة الرسمية في استعادة قرار الحرب والسلم وتجنيب البلاد المزيد من الدمار والانهيار الاقتصادي.

تطلعات الدولة اللبنانية نحو السيادة الكاملة

​وعلى الصعيد الدولي رحبت سبع عشرة دولة بينها فرنسا والمملكة المتحدة بهذه المبادرة ودعت الطرفين إلى انتهاز هذه الفرصة التاريخية لتحقيق السلام. وأكد البيان الدولي المشترك دعم الرئيس اللبناني جوزيف عون في مسعاه لإطلاق مفاوضات مباشرة تنهي معاناة اللبنانيين وبخاصة سكان المناطق الجنوبية. وترى هذه الدول أن استقرار لبنان يمثل ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والدولي في حوض البحر الأبيض المتوسط.

​وأعرب الرئيس عون في تدوينة له عن أمله في أن يكون اجتماع واشنطن بداية النهاية للنزاع المستمر الذي تسبب في خسائر بشرية واقتصادية هائلة. وأشار إلى أن الدولة اللبنانية مصممة على ممارسة دورها السيادي وحماية مواطنيها من تداعيات الحروب التي تُفرض عليهم نتيجة أجندات خارجية.

ويواجه عون تحديات داخلية من معارضي هذه المفاوضات الذين يرون فيها تنازلاً عن الثوابت الوطنية اللبنانية.

​وفي المقابل عبر حزب الله عن رفضه القاطع لهذه المحادثات وترجم معارضته عملياً بقصف ثلاث عشرة منطقة في شمال إسرائيل بصليات صاروخية مكثفة. وجاء هذا التصعيد الميداني متزامناً مع انعقاد الجلسة الأولى في واشنطن في رسالة واضحة تهدف لتقويض الجهود الدبلوماسية الجارية. ودعا الأمين العام للحزب نعيم قاسم الحكومة اللبنانية إلى إلغاء هذه الاجتماعات فوراً مؤكداً استمرار ما وصفه بالمقاومة ضد الاعتداءات.

​وأسفرت العمليات العسكرية الأخيرة عن مقتل أكثر من ألفي شخص ونزوح ما يقارب مليوناً ومائتي ألف لبناني وفقاً لتقارير وزارة الصحة اللبنانية. وتؤكد المصادر الطبية أن من بين الضحايا عدداً كبيراً من النساء والأطفال مما يفاقم من وطأة الأزمة الإنسانية والاجتماعية. وتضع هذه الأرقام المأساوية ضغوطاً متزايدة على المفاوضين في واشنطن لضرورة التوصل إلى وقف عاجل لإطلاق النار وحماية المدنيين.

​وتقول واشنطن وتل أبيب إن الحرب الحالية موجهة ضد حزب الله وليس ضد الدولة اللبنانية أو الشعب اللبناني بشكل عام. وأشار مسؤول أمريكي إلى أن إسرائيل خفضت من وتيرة غاراتها الجوية على العاصمة بيروت كبادرة حسن نية تزامناً مع بدء المحادثات.

وتأتي هذه التطورات في ظل وساطة باكستانية تهدف لتجنب تداعيات اقتصادية عالمية نتيجة ارتفاع أسعار النفط واضطراب إمدادات الطاقة بسبب الصراع.

المطالب الإسرائيلية وضمانات الأمن المستدام

​تظل قضية ترسيم الحدود البرية ونزع السلاح من أعقد الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات بين الوفدين في المرحلة المقبلة. وتسعى إسرائيل للحصول على ضمانات أمنية مكتوبة تمنع عودة أي نشاط عسكري مسلح جنوب نهر الليطاني وفقاً للقرارات الدولية السابقة. بينما يطالب لبنان بانسحاب إسرائيلي كامل من كافة الأراضي المحتلة وضمان عدم خرق السيادة الجوية والبرية والبحرية اللبنانية في المستقبل.

​ويؤكد المراقبون أن نجاح هذه المفاوضات يعتمد بشكل كبير على قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سلطتها على كافة القوى السياسية والعسكرية في الداخل. ويشكل التدخل الإيراني في الشأن اللبناني أحد أكبر التحديات التي تواجه مسار السلام بين إسرائيل ولبنان في هذه المرحلة الحرجة. وتأمل القوى الدولية أن تسهم الضغوط الاقتصادية والحوافز المالية في إقناع الأطراف المترددة بضرورة السير في طريق التسوية السياسية الشاملة.

​وفي الختام يترقب العالم الإعلان عن موعد ومكان الاجتماع المقبل الذي سيتناول التفاصيل الفنية واللوجستية لاتفاق السلام المنشود بين الجانبين. ويبقى الأمل معلقاً على قدرة الدبلوماسية في نزع فتيل الانفجار الكبير الذي يهدد استقرار الشرق الأوسط بكامله لفترة طويلة. إن الجلوس المباشر اليوم في واشنطن ليس مجرد إجراء بروتوكولي بل هو اعتراف بواقع جديد يتطلب حلولاً غير تقليدية لإنهاء صراع استنزف البلدين.

​وتؤكد التقارير أن الرئيس ترمب يتابع عن كثب مجريات هذه المحادثات من خلال سفيره ميشال عيسى الذي تربطه به علاقة شخصية وثيقة. ويهدف ترمب لتحقيق نصر دبلوماسي كبير في سياسته الخارجية يعزز من مكانة الولايات المتحدة كوسيط وحيد وقوي في النزاعات الدولية. ومن المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة تكثيفاً في اللقاءات الثنائية لتقريب وجهات النظر حول المسائل العالقة التي تمنع الوصول لاتفاق نهائي.

​إن الطريق نحو السلام لا يزال طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر الأمنية والسياسية التي قد تظهر في أي لحظة لتفجير المسار التفاوضي بالكامل. لكن مجرد بدء الحوار المباشر يكسر حاجزاً نفسياً وسياسياً استمر لأكثر من ثلاثين عاماً بين بيروت وتل أبيب تحت الرعاية الأميركية. وسيبقى التاريخ يذكر يوم الرابع عشر من أبريل ألفين وستة وعشرين كونه اليوم الذي فُتحت فيه نافذة صغيرة نحو مستقبل مختلف للمنطقة.

تحديات الميدان وفرص التعافي الاقتصادي

​يشير الخبراء إلى أن الاتفاق المحتمل سيتضمن بنوداً تتعلق بتعزيز قدرات الجيش اللبناني ليكون القوة الوحيدة المسؤولة عن حفظ الأمن والاستقرار في البلاد. وتعد هذه الخطوة جوهرية لإقناع المجتمع الدولي والجانب الإسرائيلي بجدية الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها وتفكيك الميليشيات المسلحة. ومن المتوقع أن تساهم فرنسا ودول أوروبية أخرى في تدريب وتجهيز الوحدات العسكرية اللبنانية لتنفيذ هذه المهام السيادية الصعبة في الجنوب.

​وعلى الجانب الاقتصادي فإن فتح باب الاستثمارات المشتركة وتطوير حقول الغاز في البحر المتوسط يمثلان دافعاً قوياً لكلا البلدين للسعي نحو استقرار دائم. إن الرخاء الاقتصادي الذي قد ينتج عن حالة السلم سيغير من طبيعة التحالفات والولاءات السياسية في المنطقة لصالح التنمية والازدهار. وهذا ما تراهن عليه الإدارة الأميركية في رؤيتها للشرق الأوسط الجديد الذي يقوم على المصالح الاقتصادية المتبادلة والأمن المشترك للجميع.

​ورغم الهجمات الصاروخية التي شنها حزب الله إلا أن الإصرار على مواصلة المحادثات يعكس تحولاً في موازين القوى الداخلية في لبنان لصالح الدولة. إن صمود الحكومة اللبنانية في وجه التهديدات العسكرية للجماعات الموالية لإيران يعد اختباراً حقيقياً لمدى جديتها في استعادة استقلالها الوطني.

وسيكون للدعم العربي والدولي دور محوري في تقوية موقف بيروت خلال جولات التفاوض الصعبة القادمة التي ستحدد مصير لبنان لسنوات طويلة.

​إن الحوار بين إسرائيل ولبنان اليوم يفتح صفحة جديدة من التاريخ قد تنتهي بإغلاق ملف الصراع المسلح الذي دمر البنى التحتية وأزهق الأرواح. ويبقى التحدي الأكبر في كيفية تحويل هذه التفاهمات السياسية في واشنطن إلى واقع ملموس على الأرض يلمسه المواطن اللبناني والإسرائيلي في حياته اليومية. إنها رحلة الألف ميل التي بدأت بخطوة جريئة في أروقة وزارة الخارجية الأميركية وبدعم دولي لم يسبق له مثيل منذ عقود.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق