في قلب القاهرة الخديوية، وتحديدًا بالأزقة التي تتشابك فيها الحكايات كما تتشابك الأرواح، تكشف لنا ثلاثينيات القرن العشرين عن عالم مدهش، يكاد يكون مجهولًا، لكنه نابض بالحياة على نحو خاص، ففي عام 1930، نشرت مجلة المصور موضوعًا كاملًا عن مقهى للصم والبكم، لم تكن المدينة تعج فقط بالمقاهي الصاخبة التي تتردد فيها الأحاديث والضحكات، بل احتضنت أيضًا نموذجًا فريدًا من نوعه: مقهى خاص بالصم والبكم، يديره ويخدم فيه أفراد من نفس الطائفة، ليصبح فضاءً إنسانيًا استثنائيًا يتجاوز حدود العجز، ويعيد تعريف القدرة والتواصل.
وقد شغل الصم والبكم أذهان عدد من العلماء في تلك الفترة، ومن بينهم الأمريكيين، الذي بذل جهودًا كثيرة في سبيل دراسة لغة الإشارة ومحاولة توحيدها بين فاقدي النطق، ورغم ما أحرزه من تقدم ملموس، فإن محدودية الدعم حالت دون استكمال مشروعه ومع ذلك، فقد أسهمت هذه المحاولات في لفت الأنظار إلى أهمية تعليم الصم والبكم، فافتتحت مدارس متخصصة لتعليمهم القراءة والكتابة، على أمل أن تتسع آفاق العلم يومًا لتشمل ابتكارات جديدة، شبيهة بتلك التي غيرت حياة المكفوفين عبر اختراع الحروف البارزة.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى دراسة حياة هذه الفئة في مصر دراسة أعمق، لا من باب الرصد فقط، بل بهدف تحسين أوضاعهم، ودمجهم في المجتمع عبر مؤسسات تعليمية وثقافية تليق بقدراتهم الكامنة.
قهوة الخرس
المعلم سيد محمد عيسوي
ومن بين أبرز الشواهد الحية على هذا العالم، تبرز “قهوة الخرس” الكائنة في شارع كلوت بك، أحد أشهر شوارع القاهرة في ذلك الزمن، فبعد أن تغادر شارع باب البحر متجهًا نحو ميدان المحطة، تستوقفك حارة ضيقة مرصوفة، تحمل لافتة كتب عليها “بين الحارات” وهناك، في مساحة لا تتجاوز خمسة أمتار طولًا ومترًا عرضًا، ودون منفذ واضح للهواء أو الضوء، تقع تلك القهوة الصغيرة التي يديرها المعلم سيد محمد عيسوي.
لم تكن هذه القهوة مجرد مكان لتناول المشروبات، بل كانت بمثابة ملتقى يومي، أو ما يمكن تسميته “برلمانًا صامتًا”، يجتمع فيه أكثر من عشرين رجلًا من الصم والبكم كل مساء، يتبادلون الحديث بلغة خاصة، لا تسمع ولكن ترى وتفهم.
لغة القهوة والمغات
وما يثير الدهشة بحق هو تلك اللغة التي يتواصل بها رواد القهوة، فهي ليست عشوائية، بل نظام دقيق من الإشارات التي تطورت لتغطي أدق التفاصيل، فإذا أراد أحدهم فنجان قهوة، يكفي أن يضم شفتيه في حركة معينة، فيدرك المعلم سيد نوع الطلب، بل ودرجة السكر فيه، أما من يرغب في مشروب “المغات”، فيضع يديه على بطنه ويفتحهما، في إشارة ذكية إلى كونه شرابًا يقدم عادة للنساء بعد الولادة.
لغة الباذنجان والملوخية
ولا تقف دقة هذه اللغة عند حدود المشروبات، بل تمتد إلى عالم الطعام أيضًا، فإذا قصد أحدهم مطعمًا، فإنه يشير إلى الأطباق مباشرة، أو يبتكر حركات تعبيرية تعكس شكل الطعام أو لونه، فطلب “الباذنجان” قد يعبر عنه بالإشارة إلى الشعر الأسود وطول الثمرة، بينما تفهم “الملوخية” من خلال حركة تشبه تقطيعها أو خفقها، إنها لغة بصرية خالصة، تختزن في تفاصيلها قدرة الإنسان على التكيف والإبداع.
ولم تخلوا هذه الجماعة من سمات التنظيم الاجتماعي، بل يمكن القول إنها شكلت ما يشبه “قومية خاصة”، لها تقاليدها وروابطها القوية، فقد تميز أفرادها بروح تضامن لافتة، وحرص على مساعدة بعضهم البعض، واعتزاز بهويتهم المشتركة، وكان لهم زعيم يحظى باحترام الجميع، يقودهم بروح من الحكمة والحنكة، ويحرص على صون تماسكهم الداخلي.
وقد أبدى هذا الزعيم، بحسب ما روي، ترحيبًا كبيرًا بالزائرين الذين يبدون اهتمامًا صادقًا بعالمهم، حيث استقبل أحد الصحفيين بحفاوة، وتواصل معه عبر الإشارة، قبل أن يودعه بابتسامة وصورة تذكارية تجمعه بأصدقائه.
مدرسة باب الخلق
ورغم الصورة النمطية التي قد تختزل فيها هذه الفئة، فإن الواقع يكشف عن قدرات مدهشة، لا سيما في مجال الكتابة، فقد أتقن عدد كبير من الصم والبكم القراءة والكتابة، وجعلوا منها وسيلة للتواصل مع من لا يجيد لغة الإشارة، ويرجع الفضل في ذلك إلى وجود مدرسة متخصصة في منطقة باب الخلق، تولت تعليمهم وتأهيلهم، بما يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية دمجهم في المجتمع.
أما المعلم سيد، صاحب القهوة، فقد كان له دور محوري في هذا العالم الصغير، إذ لم يكتفي بإدارة المكان، بل حرص على أن يكون العاملون فيه من الصم والبكم، إيمانًا منه بقدرتهم على فهم بعضهم البعض دون الحاجة إلى وسطاء، وقد تحولت قهوته إلى ملاذ آمن، يجد فيه هؤلاء الأفراد الراحة والانتماء، بعيدًا عن نظرات الشفقة أو سوء الفهم.


















0 تعليق