شمّ النسيم… حين يبقى الربيع ويغيب المعنى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 


في مقطعه الشفيف عن شمّ النسيم، يرسم حسين بيكار لوحةً مكتملة الألوان: أجداد يرقصون، يغنّون، يزفّون الطبيعة بأجمل الترانيم، ويستقبلون الربيع بوصفه طقسًا للحياة لا مناسبة عابرة.
قال بيكار:
جدودنا كانوا زمان في العهد القديم
بيحتفلوا زينا بيوم شم النسيم 
وكانوا بيرقصوا ويغنوا بصوت حلو رخيم
ويزفوا الطبيعة الخضرا بأجمل الترانيم
واحنا كمان زي ما كان بيعملوا الأجداد
بنحيي الربيع في يوم شم النسيم

لكن ماذا لو قلبنا الصورة؟ ماذا لو قرأنا هذا النص من نهايته لا بدايته؟ من غياب المعنى لا حضوره؟ من أثر الطقس لا جوهره؟

نحن نحتفل… نعم. نخرج إلى الحدائق، نحمل معنا ما توارثناه من طقوس، ونتبادل التهاني، لكن شيئًا ما في “اللحن” تغيّر. لم يعد الغناء رخيمًا كما وصفه بيكار، ولم تعد الطبيعة تُزفّ، بل تُستهلك على عجل. مشهد عابر: أسرٌ تجلس، هواتف مرفوعة، صور تُلتقط أكثر مما تُعاش اللحظة نفسها، وضجيج يعلو على أي محاولة للإنصات. كأننا نمارس الطقس دون أن نلامس روحه، نعيد الفعل دون أن نستدعي معناه، فنحضر بأجسادنا ونغيب بوعينا.

المفارقة هنا ليست في الاحتفال ذاته، بل في طبيعة العلاقة بين الإنسان والطبيعة. في مصر القديمة، حين ارتبط شمّ النسيم بدورة الفيضان والزراعة وتجدد الحياة، لم يكن الربيع فصلًا عابرًا، بل وعدًا كونيًا بالبعث والاستمرار. كانت الطبيعة شريكًا في الفعل الاحتفالي؛ تُخاطَب، تُغنّى، وتُحتفى بوصفها أصل الحياة وامتدادها. كان الإنسان جزءًا من دورة كبرى، يرى نفسه فيها لا خارجها. أما اليوم، فقد تحوّلت الطبيعة في كثير من الأحيان إلى “خلفية” للصور، أو مساحة مؤقتة للترفيه، تُزار ثم تُترك، لا تُعاش ولا تُفهم.

ومن هذا “المقلوب” تبدأ الحكاية الحقيقية: لم نفقد شمّ النسيم، لكننا فقدنا بعضًا من معناه. خسارة لا تُقاس بالأرقام، بل تُحسّ في التفاصيل الصغيرة: في سرعة تلتهم لحظة التأمل، في عادة تُمارَس بلا سؤال، في علاقة سطحية مع ما كان يومًا جوهرًا حيًا. لا أحد يعلن هذه الخسارة، لكنها تتسلل بهدوء إلى وعينا، حتى نظن أننا ما زلنا نحتفل كما كنا، بينما تغيّر ما لا يُرى.

شمّ النسيم، بوصفه أحد أقدم الأعياد المرتبطة بالدورة الطبيعية للحياة في مصر، لم يكن مجرد احتفال بالربيع، بل تعبيرًا عن وعي عميق بفكرة التجدد. الربيع هنا ليس زمنًا فقط، بل حالة: انبعاث، بداية جديدة، وتصالح مع الكون. هذا المعنى هو ما كان يمنح الطقوس روحها، ويجعل من الغناء فعلًا وجوديًا لا مجرد ترف، ومن الخروج إلى الطبيعة عودةً إلى الذات، لا هروبًا منها.

لكن تحولات العصر—ولهث إيقاعه، وتبدّل أنماط عيشه، وهيمنة الاستهلاك على تفاصيله—دفعت بالاحتفال نحو الاختزال. ننتقل فيه من فعل إلى آخر دون أن نتوقف لنسأل: لماذا نحتفل؟ وما الذي نحتفي به حقًا؟ هل نحتفل بالربيع، أم نكتفي بصورة عنه؟ هل نعيش الطقس، أم نؤدي دورًا فيه؟

الأخطر أن يتحول الاحتفال إلى عادة خالية من الدهشة، تُمارَس بدافع التكرار لا الاختيار، فنفقد القدرة على الإحساس بفرادته. حينها، لا يعود شمّ النسيم لحظة استثنائية، بل يومًا عاديًا بملامح مختلفة، ويصبح الربيع مجرد تاريخ في التقويم، لا تجربة في الوعي.

الاستعانة بالمقلوب، إذن، ليست حنينًا إلى ماضٍ مثالي، بل محاولة لاستعادة الوعي بما نفعل. أن نعيد النظر في الطقس لا لنكرّره كما كان، بل لنفهم جوهره. أن نغنّي… لكن بإنصات. أن نخرج إلى الطبيعة… لكن بعلاقة. أن نبطئ قليلًا، لا هروبًا من الزمن، بل استعادةً له.

وربما يكون الرهان الحقيقي اليوم ليس في استعادة الشكل القديم للاحتفال، بل في إعادة إنتاج معناه داخل سياقنا المعاصر. أن نمنح الطقوس روحًا جديدة دون أن نقطع صلتها بجذورها. أن نحافظ على الذاكرة، دون أن نحولها إلى قيد. أن نجعل من شمّ النسيم فرصة للتأمل في علاقتنا بما حولنا: بالطبيعة، بالزمن، وبأنفسنا.

هكذا فقط يمكن أن يتحول الاحتفال من عادة إلى وعي، ومن طقس إلى تجربة، ومن يوم عابر إلى لحظة دالة. وهكذا فقط يمكن أن يعود اللحن رخيمًا… لا لأننا استعدنا صوت الأجداد، بل لأننا استعدنا قدرتنا على الإصغاء.

فالربيع، يقينا، لا يغيب… نحن فقط من نحتاج أن نتعلّم كيف نراه من جديد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق