في كتاب «حدوتة ع الماشي» تروي الدكتورة لميس جابر واحدة من أكثر الحكايات دلالة على تداخل الخرافة بالقرار السياسي في أواخر العصر المملوكي، وذلك من خلال قصة «الرمال» في بلاط السلطان قنصوه الغوري قبيل معركة مرج دابق الشهيرة.
تبدأ الحكاية من اعتقاد السلطان الغوري في أحد المنجمين أو «الرمالين»، وهو رجل كان يزعم قدرته على قراءة المستقبل من خلال الرمل، وكان الغوري يعتمد عليه في معرفة مصير الحكم ومن سيخلفه، فكان الرمال يجيبه دائمًا بأن اسم الحاكم القادم يبدأ بحرف «السين»، وهو ما فسر بشكل خاطئ داخل القصر، إذ ظن الغوري أن المقصود هو أحد رجاله المقربين المسمى «سيباي»، نائب الشام.
وفي الوقت نفسه، كانت الرسائل والتحذيرات تصل إلى السلطان من أن السلطان العثماني سليم الأول يستعد لدخول الشام ثم التوجه إلى مصر، إلا أن الغوري لم يعرها اهتمامًا، بسبب ثقته في تفسيره الخاطئ لنبوءة الرمال، واعتقاده بأن الخطر داخلي وليس خارجيًا.
وتكشف الرواية أيضًا عن شبكة من الولاءات المتشابكة داخل الدولة المملوكية، حيث كان بعض القادة يراسلون سليم الأول سرًا، بينما ظل آخرون أوفياء للغوري، في مقدمتهم بعض الأمراء المخلصين، وعلى رأسهم سيباي الذي ثبت في القتال رغم الشكوك التي أحاطت به.
وعند اندلاع معركة مرج دابق، انهارت صفوف المماليك تحت ضغط التفوق العسكري العثماني، وسقط السلطان الغوري مغشيًا عليه بعد أن وجد نفسه وحيدًا في ساحة القتال، لتطوى بذلك صفحة من التاريخ كان للخرافة فيها دور غير مباشر في صناعة القرار، وتحديد مصير دولة بأكملها.
















0 تعليق