في زمن كانت فيه السياسة تموج بالتحولات، وتتصاعد فيه الأسئلة حول المستقبل، ظهر اسم "علي صالح الأسيوطي" صاحب "مجلة أسرار الكون" كواحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والدهشة في آن واحد، لم يكن مجرد منجم تقليدي، بل رجل جذب إليه كبار الساسة والبكوات، مستندًا إلى ما وصفه بـ«علم الفلك والتنجيم» في قراءة ما تخبئه الأيام.
في عام 1930، نشرت مجلة المصور حوارًا صحفيًا مطولًا مع الأسيوطي، كاشفة جانبًا من عالمه الغامض، ومقدمة للرأي العام نموذجًا فريدًا لشخص يدعي القدرة على استشراف المستقبل، مستندًا إلى حسابات النجوم وحركات الكواكب.
نبوءة الرحيل.. حين سبق الإعلان العام
أبرز ما رسخ شهرة الأسيوطي كان تنبؤه بوفاة الزعيم الوطني سعد زغلول قبل وقوعها بعام كامل، ففي «نتيجة العصر الجديد» لعام 1345 هجريًا، أورد أبياتًا غامضة فسرها أتباعه لاحقًا على أنها إشارة مباشرة إلى رحيل زغلول، وقال في أبياته: «ويا سين قبل العام للسقم تشتكي.. فيا أسفي من للزعامة يحملا ومصد، له سبع وأسبوع يرحلا» وهو يعني بالوزير ذا الرشد المغفور له رشدي باشا، ويعني بقوله « مصد » المرحوم سعد باشا وقد مات في الاسبوع الثامن من الشهر الثاني في سنة 1346 كما أخبر به، ثم مات بعده رشدي باشا.
وقد أخبر في هذا العام (1348 الهجري) وقوع عدة حوادث، منها تغيير الحالة في أفغانستان فقال: « الافغان لها ملك ثان كل من عليها فان »، وتنبأ بثورة فلسطين قبل وقوعها فقال: (( وفي مقدس هبت زوابع جمة » كما تنبأ بموت وزير طهران المفوض واستقالة الوزيرين المفوضين التي حدثت في وقتها فقال: -"وزير بتفويض يموت وآخر..سيسقط من فعل وثالث يفصم..أما الحالة السياسية، فقد تنبأ بكثير منها كسقوط وزارة محمد محمود باشا وقيام وزارة صاحب الدولة عدلي يكن باشا بعدها وإعادة الحياة النيابية واطلاق حرية الصحافة وغير ذلك من الحوادث التي وقعت وتراها منظومة في نتيجته ( العصر الجديد ) لعام 1348وقد تحقق ذلك بالفعل في العام التالي، في توقيت قال مريدوه إنه يطابق ما حدده سلفًا.
ما زاده من هالة الغموض حوله، ورسخ قناعة لدى البعض بأن الرجل يمتلك قدرة استثنائية على قراءة المستقبل.
من القصور إلى الشارع.. جمهور من الكبار
لم يكن جمهور الأسيوطي من العامة فقط، بل كان يقصده كبار رجال الدولة، بحثًا عن إجابات لما قد تحمله الأيام من تقلبات، وقد أصدر سنويًا ما عرف بـ«نتيجة العصر الجديد»، وهي بمثابة سجل تنبؤات يغطي أحداثًا سياسية وطبيعية، وينتظر صدورها بشغف في دوائر معينة.
وفي هذه النتيجة، تنبأ بسقوط وزارة محمد محمود باشا، وقيام وزارة عدلي يكن باشا، إلى جانب عودة الحياة النيابية وإطلاق حرية الصحافة، وهي تحولات شهدتها مصر بالفعل في تلك الفترة المضطربة من تاريخها السياسي.
في ضيافته.. رجل بهيبة العالم وغموض العراف
داخل منزله في خان جعفر، بالقرب من مسجد الحسين، استقبل الأسيوطي الصحفي بهدوء وثقة، تصفه الروايات بأنه متوسط القامة، حسن المظهر، حاضر الذهن، يتحدث بفصاحة، وتبدو عليه علامات الذكاء وسعة الاطلاع.
في هذا اللقاء، لم يتردد في شرح فلسفته، مؤكدًا أن النجوم ليست مجرد أجرام بعيدة، بل عناصر مؤثرة في الحياة الأرضية، استشهد بتأثير الشمس على النبات والحيوان، ليبني على ذلك تصورًا أوسع يرى فيه أن الكواكب جميعها ترتبط بحركة الكون، وأن الإنسان بدوره يخضع لهذه التأثيرات.
بين العلم والإيمان.. كيف يبرر التنجيم؟
اعتمد الأسيوطي في تفسيره على فكرة الترابط الكوني، معتبرًا أن لكل إقليم كوكبًا، ولكل إنسان تأثيرًا فلكيًا خاصًا، بل وذهب أبعد من ذلك حين ربط بين الحروف الهجائية والكواكب، مدعيًا إمكانية استنباط أسماء الأشخاص ومصائرهم من خلال هذه العلاقة.
ورغم أن هذه الطروحات كانت محل تشكيك من العلماء، فإنها وجدت صدى لدى فئات من المجتمع، خاصة في زمن كانت فيه العلوم الحديثة لم تترسخ بعد بشكل كامل في الوعي العام.
ماذا قال عن 1930؟
في الحوار، قدم الأسيوطي تصورًا شاملًا لما سيشهده عام 1930، مقسمًا الأحداث إلى طبيعية وشخصية، تحدث عن عواصف وفيضانات تضرب أوروبا وأمريكا، وحرائق وزلازل، وأزمات زراعية تؤدي إلى ارتفاع الأسعار عالميًا.
أما على المستوى السياسي، فتنبأ بوفاة أحد ملوك أوروبا، وتغيرات في فرنسا وألمانيا، وصراعات على العروش في البلقان، إلى جانب تحولات في السياسة البريطانية قد تمنح مصر قدرًا أكبر من الاستقلال.
كما أشار إلى تغيرات داخلية، منها انقسامات حزبية، وعودة قوية للوفد، واحتمالات حل البرلمان وإعادته، وهي سيناريوهات تعكس بدقة طبيعة الحياة السياسية في تلك المرحلة.
البدايات.. من رسالة قديمة إلى يقين راسخ
يروي الأسيوطي أن اهتمامه بالتنجيم بدأ من خلال والده، الذي كان مهتمًا بعلم الفلك، ثم تعزز بعد اطلاعه على مخطوطات قديمة تنبأت بأحداث كبرى، مثل الحرب العالمية الأولى، وعندما رأى هذه النبوءات تتحقق، ازداد اقتناعًا بهذا العلم.
كما استشهد بحادثة شخصية لصديق له، قال إنه تنبأ بتفاصيل خلاف وظيفي دقيق وقع بالفعل كما وصفه، وهو ما اعتبره دليلًا عمليًا على صحة منهجه.


















0 تعليق