اقتصاديون لـ"الدستور": القيد المؤقت للشركات يعزز مشاركة القطاع الخاص ويجذب الاستثمارات

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تشهد الساحة الاقتصادية المصرية، تحركات متسارعة نحو إعادة هيكلة دور الدولة في النشاط الاقتصادي، خاصة مع التوسع في برنامج الطروحات الحكومية كأحد الأدوات الرئيسية لتعزيز كفاءة إدارة الأصول العامة. 

ويمثل إعلان مصطفى مدبولي، بشأن تسريع برنامج الطروحات الحكومية، عبر القيد المؤقت لعدد 6 شركات تمهيدًا للوصول إلى 20 شركة، تحولًا مهمًا في منهجية إدارة أصول الدولة، يعكس انتقالًا واضحًا نحو نموذج أكثر تنظيمًا يعتمد على التهيئة المسبقة قبل الطرح في البورصة المصرية. 

كما يعكس هذا الإعلان توجهًا واضحًا نحو تبني آليات أكثر تنظيمًا وشفافية في إدارة وطرح هذه الشركات، بما يتماشى مع خطط الدولة لدعم الاقتصاد وجذب الاستثمارات.

وفي هذا السياق، يبرز القيد المؤقت كمرحلة تمهيدية تتيح إعادة تقييم الشركات وتحسين أدائها قبل الطرح، وهو ما يعزز من قدرتها على المنافسة ويرفع من جاذبيتها للمستثمرين، سواء على المستوى المحلي أو الدولي. 

كما يسهم هذا التوجه في تعميق سوق المال وزيادة كفاءته، من خلال إدخال كيانات جديدة قادرة على جذب سيولة إضافية، بما يدعم استقرار السوق ويعزز من دوره في تمويل النمو الاقتصادي.

وأكد خبراء الاقتصاد أن هذا التحول يعكس تغيرًا جوهريًا في فلسفة الطرح، حيث لم يعد الهدف مجرد التخارج أو توفير سيولة، بل تعظيم قيمة الأصول وتحقيق أفضل عائد ممكن للدولة، إلى جانب تحسين الحوكمة ورفع مستويات الشفافية داخل الشركات الحكومية.

وأضاف الخبراء أن هذا التوجه من شأنه أن يدعم مشاركة القطاع الخاص بشكل أكبر في النشاط الاقتصادي، ويفتح المجال أمام تدفقات جديدة من الاستثمارات الأجنبية، خاصة في ظل وضوح الرؤية الحكومية وتبني نماذج طرح تدريجية أكثر احترافية، وهو ما يعزز من ثقة المستثمرين ويؤسس لمرحلة جديدة من النمو الاقتصادي المستدام.

خبيرة أسواق المال: الطروحات الحكومية تعزز السيولة 

بداية، أكدت الدكتورة صفاء فارس، خبيرة أسواق المال، أن الاتجاه العام للدولة نحو طرح الشركات الحكومية في البورصة المصرية يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية في الإدارة وتحقيق كفاءة أعلى في تشغيل الأصول، بما ينعكس في النهاية على زيادة الأرباح وتحسين الأداء المؤسسي لهذه الشركات.

وأوضحت فارس في تصريحات خاصة لـ "الدستور" أن إدراج الشركات الحكومية في سوق المال يفرض عليها الالتزام بمعايير الإفصاح والحوكمة، وهو ما يسهم في تطوير بيئة العمل داخل هذه الكيانات، ويجعلها أكثر قدرة على المنافسة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي. 

كما أن هذه الخطوة من شأنها أن تدعم ثقة المستثمرين في السوق، خاصة مع وضوح البيانات المالية وتوافر معلومات دقيقة حول أداء الشركات.

ولفتت خبيرة أسواق المال إلى أن أحد أبرز المكاسب المتوقعة من برنامج الطروحات هو زيادة مستويات السيولة داخل البورصة، حيث تسهم الشركات الجديدة في جذب شرائح متنوعة من المستثمرين، سواء أفراد أو مؤسسات، وهو ما يعزز من عمق السوق ويزيد من كفاءته.

وفي المقابل، أكدت أن نجاح هذه الطروحات يرتبط بشكل أساسي بدقة تقييم الشركات، مشيرة إلى أن تحديد القيمة العادلة يمثل حجر الأساس في أي عملية طرح ناجحة. فالتقييم غير الدقيق قد يؤدي إلى تسعير غير عادل، سواء بأقل من القيمة الحقيقية أو بأعلى منها، وهو ما يؤثر سلبًا على ثقة المستثمرين وعلى أداء السهم بعد الطرح.

وشددت على أهمية اختيار مستشار مالي يتمتع بالكفاءة والخبرة اللازمة لتقييم هذه الشركات بشكل احترافي، بما يضمن تحقيق التوازن بين مصلحة الدولة في تعظيم العائد، ومصلحة المستثمر في الحصول على فرصة استثمارية عادلة.

من ناحية أخرى، تقدم فارس نصيحة مهمة للمستثمرين في السوق، حيث تدعو إلى ضرورة التوازن في اتخاذ القرارات الاستثمارية، وعدم الانسياق وراء الطروحات الجديدة بشكل عشوائي. وتوضح أن التخارج الكامل من الأسهم القائمة في المحافظ الاستثمارية من أجل الدخول في طروحات جديدة قد يحمل مخاطر، خاصة إذا تم دون دراسة كافية.

وأضافت أن الاستراتيجية الأفضل تتمثل في تنويع المحفظة الاستثمارية، بحيث يتم تخصيص جزء من الاستثمارات للأسهم القائمة ذات الأداء الجيد، وجزء آخر للطروحات الجديدة التي تتمتع بفرص نمو قوية، وهو ما يسهم في تقليل المخاطر وتحقيق عوائد مستقرة مؤكدة  على أن برنامج الطروحات يمثل فرصة مهمة لتطوير سوق المال المصري، لكنه يتطلب إدارة دقيقة وتوازنًا في التنفيذ، سواء من جانب الحكومة أو المستثمرين، لضمان تحقيق أقصى استفادة ممكنة وتعزيز استقرار السوق على المدى الطويل.

في نفس السياق، أكد محمد باغة، أستاذ الاستثمار والتمويل بجامعة قناة السويس، أن إعلان مصطفى مدبولي بشأن القيد المؤقت لعدد من الشركات الحكومية في البورصة المصرية يمثل تحولًا استراتيجيًا يتجاوز فكرة الطرح التقليدي، ليفتح المجال أمام إعادة هيكلة دور الدولة وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

وأوضح "باغه" في تصريحات خاصة لـ "الدستور" أن هذا التوجه من شأنه أن يدعم بشكل مباشر توسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص، من خلال إتاحة فرص استثمارية جديدة في شركات كانت مغلقة أمامه لسنوات، وهو ما يعزز من تنافسية السوق ويخلق بيئة أكثر ديناميكية.

وأشار إلى أن القيد المؤقت لا يهدف فقط إلى تجهيز الشركات للطرح، بل يسهم أيضًا في رفع مستويات الشفافية والحوكمة، وهي عوامل رئيسية في جذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في ظل اهتمام المستثمرين الدوليين بوضوح البيانات واستقرار السياسات الاقتصادية مضيفا أن هذا النموذج التدريجي في الطرح يمنح المستثمرين ثقة أكبر، حيث يتيح تقييم الشركات بشكل أكثر دقة قبل اتخاذ قرارات الاستثمار، ما يعزز من تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى السوق المصري.

وأكد أن هذه الخطوات تتماشى بشكل واضح مع توجهات الدولة لتنفيذ وثيقة ملكية الدولة، والتي تستهدف إعادة تنظيم تواجد الدولة في الأنشطة الاقتصادية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص لقيادة النمو في عدد من القطاعات، مشيرًا إلى أن نجاح هذا التوجه يعتمد على الاستمرارية في تطبيق الإصلاحات، مع الحفاظ على توازن دقيق بين تعظيم عائد الدولة من أصولها، وضمان خلق فرص استثمارية جاذبة ومستدامة.

وأوضح أن القيد المؤقت والطرح التدريجي يمثلان خطوة في الاتجاه الصحيح نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا وتنافسية، قادر على جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز دور القطاع الخاص، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي مستدام على المدى الطويل.

وأكدت الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة الاقتصادية، أن هذا التوجه لا يقتصر على كونه إجراءً إداريًا، بل يمثل خطوة عملية لإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة، من خلال رفع مستويات الإفصاح والشفافية، وهو ما يسهم في تحسين أدائها وتعزيز قدرتها على جذب المستثمرين.

وأوضحت وجيه في تصريحات خاصة لـ "الدستور"، أن اعتماد الدولة على مستشارين ماليين لتحديد القيمة العادلة يعكس تحولًا نحو تسعير أكثر دقة واحترافية، بما يقلل من أخطاء التقييم التي كانت تؤثر على كفاءة الطروحات في السابق، ويعزز من مصداقية السوق أمام المستثمرين.

وأضافت أن ما يحدث حاليًا يعكس تغيرًا واضحًا في آليات الطرح، حيث لم يعد الأمر قائمًا على البيع المباشر، بل على نموذج تدريجي يبدأ بالقيد المؤقت، يليه التقييم وإعادة الهيكلة، ثم الطرح الجزئي، وهو ما يمنح الشركات فرصة لتحسين أدائها قبل دخول السوق بشكل فعلي.

وأشارت إلى أن هذا النموذج يسهم في تقليل مخاطر التسعير غير العادل، ويمنح المستثمرين رؤية أوضح حول أداء الشركات، بما يدعم مستويات الثقة ويزيد من جاذبية السوق المصري.

وعلى صعيد التأثير الاقتصادي، ترى وجيه أن هذه الخطوة من شأنها تنشيط سوق المال وزيادة عمقه، من خلال إدخال شركات كبيرة قادرة على جذب سيولة جديدة، سواء من المستثمرين المحليين أو الأجانب، وهو ما يعزز من مكانة البورصة المصرية إقليميًا، مضيفة  أن برنامج الطروحات بصورته الحالية يفتح المجال أمام الدولة لتنويع مصادر التمويل، بعيدًا عن أدوات الدين التقليدية، وهو ما يخفف الضغوط على المالية العامة ويدعم استدامة النمو الاقتصادي.

وأوضحت أن نجاح هذا التوجه يرتبط بعدة اعتبارات، من بينها اختيار التوقيت المناسب للطرح، في ظل التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية، إلى جانب قدرة الشركات على تحقيق نتائج مالية قوية تعكس قيمتها الحقيقية، مشيرة الي أن وضوح استراتيجية الدولة فيما يتعلق بنسب التخارج والاحتفاظ بالملكية يمثل عاملًا حاسمًا في تعزيز ثقة المستثمرين، وضمان استمرارية البرنامج بشكل متوازن.

وأكدت أن القيد المؤقت لعدد 6 شركات كخطوة أولى نحو طرح 20 شركة يعكس توجهًا إصلاحيًا متقدمًا في إدارة الأصول العامة، ويمهد لمرحلة جديدة تعتمد على الكفاءة والشفافية، مع تعزيز دور القطاع الخاص في دعم الاقتصاد، بشرط التنفيذ المدروس الذي يحقق أفضل عائد ممكن للدولة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق