تُعد طقوس الجمعة العظيمة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من أعمق الصلوات الروحية التي تعكس معاني التوبة والخلاص والفداء، حيث تتجلى فيها رموز لاهوتية وطقسية تعبر عن رحلة السيد المسيح من التجسد حتى الصليب، ومن أبرز هذه الطقوس طقس "الميطانيات الأربعمائة" الذي يحمل دلالات روحية وإنسانية عميقة.
القس يوساب عزت استاذ القانون الكنسي يسلّط الضوء على أحد أبرز الرموز المرتبطة بآلام السيد المسيح وموته على الصليب، وهو ما يُعرف بـ"الكفن المقدس"، القماش الذي لُفّ به جسد المسيح بعد إنزاله من على الصليب، ليبقى عبر التاريخ شاهدًا صامتًا على لحظات الفداء والتكفين ثم القيامة.
شهادة حية على آلام المسيح
يقول القس يوساب عزت أستاذ القانون الكنسي: "الكفن المقدس يكشف تفاصيل الآلام التي احتملها السيد المسيح من أجل خلاص البشرية، وكأننا نقف عند أقدام الصليب نتابع الأحداث الخلاصية لحظة بلحظة، بجوار التلميذ يوحنا والسيدة العذراء مريم".
ويضيف أن هذا الكفن، بحسب ما ترويه التقاليد الكنسية، اشتراه يوسف الرامي، وقام بتكفين جسد يسوع بعد إنزاله من على الصليب، وعند القيامة تُرك الكفن في القبر، فاحتفظ به التلاميذ، لتبدأ بعدها رحلته التاريخية عبر العصور.
رحلة الكفن عبر التاريخ
يوضح القس يوساب أن الكفن انتقل عبر مراحل تاريخية متعددة، إذ وصل إلى أودسا على يد الرسول تداوس إلى الملك أبيجار الخامس، ثم نُقل إلى القسطنطينية، ومنها إلى فرنسا، قبل أن يستقر أخيرًا في مدينة تورينو الإيطالية، حيث يُعرض اليوم في كاتدرائية تورينو وسط اهتمام ديني وعلمي واسع.
مواصفات الكفن وبنيته
ويشير إلى أن الكفن مصنوع من قطعة قماش واحدة، باستثناء شريط بعرض 9 سنتيمترات ممتد على الجانب الأيسر، تم وصله بخياطة يدوية بسيطة، ما يعكس طبيعة تصنيعه القديمة.
دراسات علمية وملامح الصورة
وحول الدراسات العلمية، يوضح القس يوساب أن أول الأبحاث الحديثة على الكفن بدأت في 22 نوفمبر 1973، حيث أظهرت نتائجه أن طول الكفن يبلغ 4.35 متر، وعرضه 1.09 متر.
كما كشفت الدراسات أنه يحمل أثرًا لصورة مزدوجة باهتة لرجل من الأمام والخلف، يتمتع ببنية جسدية قوية، وشعر طويل ولحية كثيفة، ويظهر ملفوفًا من الأسفل إلى الأعلى، بينما اكتسب لونه العاجي نتيجة مرور الزمن.
ويؤكد أن هذه التفاصيل تتوافق مع أسلوب التكفين اليهودي المتبع في ذلك العصر، ما يزيد من الاهتمام العلمي والديني المحيط بهذا الأثر الفريد.















0 تعليق