في منطقة الرَبع الثقافي بشارع المعز، نجد متجرًا مليء بالتحف الفنية غنية بالأصالة ويسكن بها روح التاريخ والزمن الجميل، يَملأ بعضها بالنقش العبقري العريق، وراء هذا المتجر المحتفظ بتاريخه وسلامة قِطعه، سيدة تهوى النحاس وتعتبره أساس لابد منه في الوجود، وتًدعى "خلود العطار"، فهي تحافظ على خلود القطع النحاسية كإسمها.
تروى خلود لـ"الدستور" أنها تهوى تجميع القطع النحاسية، وتحب الإحتفاظ بتاريخها والتعزيز منها، فقد عاشت حياتها على محبة الانتيكات، فالتحف بالنسبة لها ليست مجرد قطع، بل قطع ثمينة محفور ومنقوش عليها التاريخ، وتعيش لعمر طويل تزين بها البيوت والأماكن، محتفظة بعراقتها، وتتنوع أشكالها من أوعية ومصابيح ونجف وصوان وأوان وغيرهم.
سُمى المتجر بـ"بيت العز"، لما يضمه من عز من تحف وانتيكات ثمينة، المصنوعة من النحاس، ويختلف منشأ القطع وفترتها الزمنية، فلكل قطعة حقبة زمنية مختلفة عن الأخرى، مرورًا بالعصر العثماني والعصر المملوكي وغيرها من العصور، يتردد الزائرون كثيرًا على المتجر، لرؤية الانتيكات وتأمل تفاصيلها الدقيقة ونقوشاتها، وشراء بعضًا منها، يمكن وصف زيارتهم بأنها أشبه بالرحلة أو السفر عبر بوابة زمنية، لمشاهدتهم لقطع مختلفة الأزمان، ينتقلوا من خلالها من حقبة تلوى الأخرى.
تحكي خلود أنها تجمع قطع النحاس منذ صغرها، واستلهمت شغفها وعشقها للتراث من والدتها، حيث كانت تجمع قطع من قديم الأزل، وتحافظ عليها وتلمعها بإستمرار، كبر شغف خلود مع شبابها، لتبدأ بمتجر لبيع الانتيكات بشارع المعز المعروف بتاريخه وعراقته، واستمرت على نهج والدتها بشكل أوسع، واتجهت إلى نشر ثقافة اقتناء قطع ذات قيمة، كوضع الانتيكات النحاسية في المنازل، واستخدام النحاس بشكل أكبر في الديكور، كما كانت تفعل والدتها وعاداتها لاتسام منزلها بالعراقة.
تقول خلود إن الزائرين الأجانب والمصريين ينجذبون لكثير من القطع لديها مثل (وحدات إضاءة وأواني والنجف الإسلامي)، لأنها كلما مرّ عليها الزمان كلما زادت قيمتها، مشيرة إلى أنها تختار بعناية القطع غير المكررة والنادرة، كـ"الفازات" الإيرانية المنشأ، والتي تتميز بطريقة نقشها المميزة والدقيقة، وكـ"الشمعدان" المملوكي، والصواني الإيراني، التي تتميز بكبر حجمها وبروز نقوشاتها، وتمتلك خلود قطع من فن "الشفتشي"، الذي يتكون من أسلاك من النحاس وتلحم بالفضة وتعد هذه الحرفة شبه منقرضة الآن، ويوجد الأباريق بكل أشكالها من مختلف العصور.
"لدينا ديكورات لكل العصور والبلدان".. وتضيف خلود بشغف كبير أنها توفر قطع يمكن استغلالها كقطع ديكورية لجميع العصور، فمن يبحث عن قطعة ديكورية للعصر العثماني، يجد ضالته لديهم، بجانب وجود قطع إيرانية، وقطع من النحاس الأحمر المحبب للكثيرين، والنحاس الأصفر الأكثر شيوعًا وانتشارًا، إضافة إلى أنها توفر قطع مطلي بالفضة، مؤكدة أن كلها قطع مميزة مختارة بعناية لتناسب جميع الأذواق.
وتشير خلود إلى أن المتجر يعتبر وجهة لأي شخص يريد الشعور بهويته المصرية، ويتعرف على الماضي، ويشعر بالانتماء لدولته، مضيفة أن هناك الكثيرون ممن يساعدونها في البحث عن القطع النادرة والمختلفة، كما أن هناك "نقاشين" يساعدوها في إعادة الحياة للقطع المهملة، التي لا يوجد عليها رسوم، يبدأوا بنقش الرسومات المختلفة للحفاظ عليها، لذا يوفر متجرها كل الإمكانيات للعناية بالتحف.
لا تنتقي خلود القطع المميزة وتعرضها فحسب، بل لديها ورشة مخصصة للحفاظ على القطع النادرة التي أُهملت لفترة طويلة، فتعرضت لخبطات أو تأكسدات فتعيد لها الحياة مرة آخرى وترجع لها بريقها ورونقها كما لو لم يمسسها الزمان - بحسب ما ذكرته خلود.
في النهاية، تستمر خلود في اتباع شغفها وشغف والدتها في النحاس، وتسعى لاقتناء المزيد من التحف الفنية بمختلف أشكالها وأحجامها، ونشر الثقافة بشكل أكبر، والوصول لمحبي الديكور الممزوج بالتاريخ وهواة الحرف اليدوية والنقش، راغبة في إبقاء الانتيكات خالدة للأبد.













0 تعليق