جامع سارية الجبل.. حكاية مسجد بثلاثة أسماء من قلب قلعة صلاح الدين

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في كتاب «حدوتة ع الماشي» للدكتورة لميس جابر، والصادر عن دار نشر أطياف، نطالع حكاية ثرية وممتعة عن أحد مساجد القاهرة التاريخية، وهو المسجد المعروف شيوعًا باسم «سارية الجبل»، وهي تسمية شاع استخدامها على غير دقة تاريخية.

ويرتبط هذا الاسم في أذهان العامة بقصة الصحابي الجليل سارية بن زنيم، حين ناداه عمر بن الخطاب من على منبر المسجد النبوي بقوله الشهير: «يا سارية، الجبل»، وهي واقعة لا صلة لها لا بالمكان ولا بتاريخ المسجد، لكنها على الأرجح ألهمت العامة هذه التسمية.

 

وفي حقيقة الأمر، فإن لهذا المسجد ثلاثة أسماء مختلفة، تكشف كل منها جانبًا من تاريخه الممتد، فقد أشار المؤرخ تقي الدين المقريزي إلى أن الموقع الذي يشغله المسجد حاليًا داخل قلعة صلاح الدين كان يضم عددًا من المساجد قبل تشييد القلعة، من بينها مسجد يعرف بمسجد «قِسطة»، وتؤكد اللوحة التأسيسية، التي نقلت لاحقًا، أن هذا المسجد أنشأه أبو منصور قِسطة الأرمني، الذي تولى ولاية الإسكندرية في العصر الفاطمي سنة 535هـ.

 

ثم انتقل المسجد إلى مرحلة جديدة حين اتخذه العالم أبو الحسن الرديني مقرًا للتدريس، وظل به حتى وفاته سنة 540هـ، ليعرف في تلك الفترة باسم «مسجد الرديني»، ويختتم علي مبارك رواية تاريخ المسجد بالإشارة إلى أن سليمان باشا الخادم قام بتجديده سنة 935هـ، وهو ما أثبتته اللوحة التأسيسية أعلى بابه الغربي، ومن هنا جاء اسمه الثالث: «مسجد سليمان باشا الخادم».

 

وكان سليمان باشا من كبار رجال الدولة العثمانية في عهد سليمان القانوني، وقد تولى ولاية مصر مرتين، وترك بصمته المعمارية في هذا المسجد الذي يقع داخل السور الشمالي للقلعة، ويحمل رقم 142 في عداد الآثار الإسلامية.

 

ويمتاز المسجد بتصميم فريد، إذ يضم مساحة مكشوفة ترتكز على تسعة أعمدة خشبية، يرجح أنها كانت تستخدم للصلاة صيفًا لاستقبال نسمات الهواء، كما ألحق به كتاب لتعليم القرآن، وموضع للوضوء في الجهة الغربية، وحديقة في الجهة الشرقية.

 

«جامع سارية الجبل» ليس مجرد اسم شائع، بل هو شاهد على تاريخ متراكم، تتعدد فيه الأسماء وتبقى الحكاية واحدة، ترويها حجارة المكان عبر العصور.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق