في الوقت الذي بدا فيه واضحا تحقق الإرادة السياسية الكاملة لضرورة الإسراع في إصدار قانون المحليات الجديد فور صدور تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي لحكومة الدكتور مصطفى مدبولي بعد تعديل تشكيلها الأخير، يتجلى سؤال هام عند النظر في التكليف السابع ضمن خطاب التكليفات للحكومة والذي جاء به ما نصه " إعلاء قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز وتشجيع المشاركة في الشأن العام بإجراءات شفافة تلبي طموح المواطنين، وما يتصل بها من استكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية لتحقيق المشاركة الشعبية في مراقبة العمل في وحدات الإدارة المحلية وضبط الأداء الإداري فيها".
هذا السؤال هو: لماذا تأخر قانون المحليات الذي يمثل استحقاقا دستوريا أكيدًا لمدة تزيد عن عشر سنوات؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعود قليلا للوراء، فلم تكن الإدارة المحلية في أي دولة حديثة مجرد آلية خدمية لإدارة شؤون المدن والقرى، بل هي في حقيقتها أحد أهم أعمدة بناء الدولة، ومختبرها الحقيقي لممارسة الديمقراطية، ومدخلها الفعّال لتحقيق العدالة التنموية.
ومن هنا، فإن الحديث عن انتخابات المحليات في مصر لا يمكن اختزاله في إطار قانوني مؤجل، بل يجب أن يُفهم بوصفه قضية مصيرية تمس كفاءة الدولة ومدى جديتها، وشرعية التمثيل، وفاعلية السياسات العامة.
إن الإدارة المحلية، تمثل حجر الزاوية، وهي نظام يقوم على توزيع الاختصاصات بين الحكومة المركزية ووحدات محلية منتخبة، تتمتع بقدر من الاستقلال المالي والإداري، بما يسمح لها بإدارة شؤونها وفقًا لاحتياجاتها الفعلية، وهي بذلك تمثل انتقالًا من نموذج "الدولة الآمرة" إلى نموذج "الدولة التشاركية"، وفي التجارب الدولية، تُعد المحليات أداة هامة لتحقيق كفاءة توزيع الموارد، وسرعة الاستجابة للمشكلات، والقضاء على البيروقراطية، بالإضافة إلى تعزيز الرقابة الشعبية، وإعداد كوادر سياسية وإدارية مؤهلة.
أما في الحالة المصرية، فقد نص الدستور الصادر عام 2014 بشكل واضح على أهمية هذا النظام، ليس فقط من حيث وجوده، بل من حيث تفعيله عبر انتخابات محلية حقيقية تضمن تمثيلًا عادلًا للفئات المختلفة، ورغم وضوح النصوص الدستورية، فإن قانون الإدارة المحلية لم يرَ النور حتى الآن بعد مرور أكثر من عقد على إقرار الدستور، وهو تأخر يطرح تساؤلات جوهرية، خاصة في ظل تكرار إعلان الحكومة نيتها إصدار القانون خلال ثلاثة فصول تشريعية لمجلس النواب في أعوام 2016، 2021، وآخرها في يناير من العام الحالي 2026م، دون أن يتحقق ذلك فعليًا.
ومن خلال قراءة المشهد التشريعي، يمكن رصد عدد من العوامل التي ساهمت في هذا التأخير، أولها التعقيد البنائي للقانون، فقانون المحليات ليس قانونًا عاديًا، بل هو من أكثر القوانين تشابكًا، نظرًا لتداخله مع ملفات متعددة مثل التخطيط، والمالية العامة، والرقابة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وثانيًا، إشكالية التوازن بين المركزية واللامركزية، فهناك تخوف دائم من منح صلاحيات واسعة للإدارة المحلية قد تؤدي إلى ضعف السيطرة المركزية، في مقابل ضرورة تمكين المحليات لتحقيق الكفاءة.
والأمر الثالث يأتي في الأزمة الدستورية في تمثيل الفئات، وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكاليات، حيث ألزم الدستور بتمثيل نسب محددة لفئات بعينها داخل المجالس النيابية، مثل: الأقباط، والمرأة، والشباب، والعمال والفلاحين، والأشخاص ذوي الإعاقة، لكن ترجمة هذه النسب إلى نصوص قانونية منضبطة لم تكن سهلة، وهو ما أثار مخاوف حقيقية من احتمال تعرض القانون لشبهة عدم الدستورية، حال عدم دقة الصياغة أو تعارضها مع مبدأي تكافؤ الفرص والمساواة.
والأمر الرابع الذي يبدو خفيا، هو التخوفات السياسية والأمنية في ظل احتمالية أن تشهد الانتخابات مشاركة ايديولوجيات متطرفة أو محظورة، وهذا كان واضحا في مداخلة أخيرة للدكتور محمد عطية الفيومي وكيل لجنة الإدارة المحلية في مجلس النواب في برنامج الحكاية مع الإعلامي عمرو أديب، والذي أكد أن القانون كان جاهزًا للعرض في الفصل التشريعي الثاني والثالث، معللا ذلك بأن هذه المسألة تحكمها اللجنة العامة، والاتجاهات السياسية.
إن غياب المحليات ينتج أضرار تتجاوز الإدارة، فلم يكن إصدار قانون المحليات مجرد تأجيل إجرائي، بل يرتب عليه آثار عميقة تمس بنية الدولة والمجتمع، منها غياب الرقابة الشعبية الحقيقية، فالمجالس المحلية كانت تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الفساد الإداري، وغيابها أدى إلى اتساع الفجوة بين المواطن والقرار التنفيذي، بالإضافة إلى تراجع كفاءة الخدمات مع غياب آليات المساءلة المحلية، حيث أصبحت الخدمات في كثير من الأحيان أقل ارتباطًا باحتياجات المواطنين الفعلية.
هذا التأخر أيضًا تسبب في تعطّل إعداد وولادة القيادات الجديدة، حيث كانت المحليات تاريخيًا مدرسة لإعداد القيادات السياسية، وغيابها أضعف هذا المسار الحيوي، ثم لا نغفل أن غياب سلطة المحليات يرسخ المركزية المفرطة، ويؤدي إلى تحميل الحكومة المركزية أعباء تفصيلية كان من المفترض أن تُدار محليًا، مما يضعف كفاءة اتخاذ القرار.
واليوم يواجه القانون واحدة من أكثر النقاط حساسية في مشروعه، تتمثل في إشكالية الصياغة الدستورية، بين الالتزام والتعثرـ، وفي كيفية الالتزام بالنصوص الدستورية الخاصة بتمثيل الفئات، دون الوقوع في تناقضات قانونية.
فهل يتم تحديد النسب داخل القوائم الانتخابية؟ أم عبر تخصيص مقاعد؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك دون الإخلال بمبدأ المساواة أو خلق طعون دستورية محتملة؟
هذه الأسئلة لم تجد حتى الآن إجابات تشريعية حاسمة، وهو ما يفسر جزئيًا استمرار بقاء مشروع القانون داخل أروقة لجنة الإدارة المحلية، دون أن يصل إلى الجلسة العامة، بالإضافة إلى الاعتبارات السياسية الأخرى، والتي لم تعد حُجة أمام مجلس النواب بعد توفر الإرادة السياسية بالتكليف الواضح للحكومة بإنجاز الاستحقاقات الدستورية المتأخرة الخاصة بقانون المحليات.
إن استمرار هذا الوضع لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل، خاصة في ظل ما تواجهه الدولة من تحديات تنموية تتطلب مشاركة مجتمعية واسعة، وربما يكون من المناسب التفكير في تبني إصدار مرحلي لقانون المحليات، يقوم على إصدار قانون يحدد الإطار العام والصلاحيات الأساسية بشكل واضح، وتأجيل بعض التفاصيل الإجرائية المعقدة إلى لوائح تنفيذية مرنة، مع ضمان أن تكون اللجنة المختصة بإعداد مشروع القانون لجنة دستورية – تشريعية مشتركة لمراجعة تمثيل الفئات وضمان سلامة الصياغة، وتضم خبرات كبيرة في هذا المجال، بالإضافة إلى وضع جدول زمني ملزم لإجراء الانتخابات المحلية.
فالدولة التي تؤجل أحد أهم استحقاقاتها الدستورية، إنما تؤجل في الحقيقة جزءًا من مشروعها في بناء الإنسان والمؤسسات، وللحديث بقية.














0 تعليق