الخميس 09/أبريل/2026 - 01:29 ص 4/9/2026 1:29:24 AM
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تبدو منطقة الشرق الأوسط وكأنها تقف على حافة تسوية تاريخية، تقودها وساطة باكستانية مصرية بين الولايات المتحدة وإيران، بغطاء من إدارة الرئيس دونالد ترامب. غير أن هذه اللحظة، التي يُفترض أن تُفضي إلى وقف إطلاق النار وفتح باب المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تواجه اختبارًا حقيقيًا بفعل التصعيد الإسرائيلي المتواصل في لبنان، وهو ما يهدد بنسف الاتفاق قبل أن يبدأ فعليًا.
منذ الإعلان عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين واشنطن وطهران، بدا أن هناك نافذة نادرة للتهدئة، خاصة مع ارتباط الاتفاق بإعادة فتح مضيق هرمز، وضبط إيقاع العمليات العسكرية تمهيدًا لمفاوضات مباشرة. إلا أن هذه الهدنة حملت في طياتها بذور الخلاف، حيث ظهرت منذ اللحظة الأولى إشكالية جوهرية تتعلق بنطاقها الجغرافي، وتحديدًا ما إذا كانت تشمل الساحة اللبنانية أم لا.
الولايات المتحدة وإسرائيل أكدتا أن الاتفاق لا يشمل لبنان، بينما أصرت إيران والوسيط الباكستاني على أن التهدئة يجب أن تكون شاملة لكل الجبهات. هذا التناقض لم يكن مجرد خلاف دبلوماسي، بل تحول سريعًا إلى واقع ميداني متفجر، مع استمرار الغارات الإسرائيلية المكثفة على الأراضي اللبنانية، خاصة في بيروت ومناطق الجنوب.
وتشير التقارير إلى أن إسرائيل شنت واحدة من أعنف موجات القصف منذ بداية التصعيد، مستهدفة بيروت، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى المدنيين، وتدمير واسع للبنية التحتية، وتشريد أكثر من مليون شخص.
هذا التصعيد لم يكن فقط ردًا عسكريًا، بل حمل رسائل سياسية واضحة، مفادها أن تل أبيب لن تقبل بأي ترتيبات إقليمية تُقيد حركتها في لبنان، حتى لو كانت جزءًا من تفاهم أوسع مع إيران.
في المقابل، رأت طهران أن استمرار الضربات الإسرائيلية يمثل خرقًا مباشرًا للهدنة، وهددت بالانسحاب من الاتفاق، بل واتخذت خطوات تصعيدية مثل إعادة إغلاق مضيق هرمز، في رسالة ضغط مزدوجة على واشنطن وحلفائها
وهكذا، تحولت الساحة اللبنانية إلى نقطة اشتعال مركزية، تُحدد مصير الاتفاق برمته.
المفارقة أن إسرائيل، رغم إعلانها دعم الهدنة مع إيران، وضعت شرطًا واضحًا يتمثل في استثناء لبنان من أي التزامات، وهو ما أكده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشكل صريح، معتبرًا أن الحرب ضد حزب الله جزء منفصل لا يخضع للترتيبات الحالية
هذا الموقف يعكس استراتيجية إسرائيلية قائمة على الفصل بين الجبهات، بحيث تستفيد من التهدئة مع إيران لتكثيف الضغط على أذرعها الإقليمية، وعلى رأسها حزب الله.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة، إذ إن حزب الله، رغم إعلانه التزامًا جزئيًا بالهدنة، حذر من أن استمرار الاعتداءات سيؤدي إلى انهيار الاتفاق، ما يفتح الباب أمام تصعيد شامل قد يمتد إلى أكثر من جبهة. كما أن إيران، التي تعتبر الحزب جزءًا من منظومتها الدفاعية، قد تجد نفسها مضطرة للرد، حفاظًا على مصداقيتها الإقليمية.
في هذا السياق، تبدو المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد مهددة قبل انطلاقها. فبدل أن تكون نقطة انطلاق نحو تسوية سياسية، قد تتحول إلى محاولة إنقاذ لاتفاق يترنح تحت ضربات الميدان. وتشير المعطيات إلى أن الخلافات لا تقتصر على الملف اللبناني، بل تمتد إلى قضايا جوهرية مثل البرنامج النووي الإيراني، وحقوق التخصيب، ودور إيران في الممرات البحرية، خاصة مضيق هرمز.
ورغم أن الوساطة الباكستانية نجحت في جمع الأطراف على طاولة واحدة، فإنها تواجه تحديًا معقدًا يتمثل في التوفيق بين رؤيتين متناقضتين: رؤية أمريكية تسعى إلى احتواء إيران دون تقديم تنازلات استراتيجية، ورؤية إيرانية تريد رفع العقوبات والاعتراف بدورها الإقليمي. وبين هاتين الرؤيتين، تتحرك إسرائيل كعامل إرباك، تسعى إلى إعادة تشكيل المعادلة بما يخدم مصالحها الأمنية.
فرص نجاح هذه المفاوضات في التوصل إلى اتفاق دائم تبدو متوسطة وهشة، تقدر بنحو 40-50% في أفضل السيناريوهات، وفقاً لتحليلات المراقبين. من العوامل المساعدة: الإرهاق العسكري والاقتصادي المتبادل بعد نحو 40 يوماً من القتال، والضغط العالمي الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة بسبب إغلاق هرمز، ورغبة ترامب في تسجيل إنجاز دبلوماسي يُحسب له قبل أي استحقاقات سياسية داخلية، بالإضافة إلى استعداد إيران لتقديم تنازلات تكتيكية مقابل رفع جزئي للعقوبات وبناء ثقة تدريجية. وجود وسيط باكستاني محايد يتمتع بعلاقات جيدة مع الطرفين يُعد أيضاً عاملاً إيجابياً.
أما العوامل المعيقة فتشمل عدم الثقة التاريخية العميقة بين الأطراف، حيث تخشى إيران أن تكون الهدنة مجرد غطاء لاستئناف الضربات، كما حدث في جولات سابقة. التباين الجوهري في المواقف النووية والإقليمية يجعل التقارب صعباً، خاصة مع استمرار التوتر في لبنان الذي قد يفجر الاتفاق في أي لحظة. الضغوط الداخلية تلعب دوراً أيضاً؛ ففي إسرائيل يواجه نتنياهو انتقادات من المعارضة التي ترى الاتفاق "كارثة" لعدم مشاركة تل أبيب المباشرة، بينما في إيران قد يرفض الحرس الثوري أي تنازل يُفسر كضعف. كذلك، قد تتدخل قوى خارجية مثل روسيا والصين لدعم الموقف الإيراني إذا شعرتا بأن الاتفاق يضعف طهران.في النهاية، يمثل الأسبوعان المقبلان اختباراً حقيقياً للإرادة السياسية. إذا نجحت المفاوضات في تحويل الهدنة المؤقتة إلى آليات بناء ثقة – مثل رفع تدريجي للعقوبات مقابل قيود نووية صارمة وقابلة للتفتيش – فقد يفتح الباب لسلام مستدام ينهي عقوداً من التوتر. أما إذا تعثرت بسبب الشروط غير القابلة للتوفيق، فقد تعود الحرب أشد ضراوة، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وزيادة الطلب على النفط. المنطقة بأكملها تنتظر النتيجة، والتي ستحدد ما إذا كانت إسلام آباد بداية لعهد جديد أم مجرد فاصل قصير قبل تصعيد آخر.
من زاوية أوسع، يمكن القول إن ما يجري في لبنان ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. فإسرائيل تدرك أن أي اتفاق أمريكي- إيراني قد يقلص من هامش حركتها، لذلك تسعى إلى فرض وقائع ميدانية جديدة قبل تثبيت أي تفاهمات. وفي المقابل، تحاول إيران استخدام أوراقها الإقليمية للضغط وتحسين شروط التفاوض.
وبين هذا وذاك، يبقى المدنيون في لبنان هم الخاسر الأكبر، في ظل حرب مفتوحة لا يبدو أن لها أفقًا قريبًا، خاصة مع استمرار القصف والنزوح، وتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق.
في النهاية، يمكن القول إن مستقبل الاتفاق بين ترامب وإيران لن يتحدد فقط على طاولة المفاوضات في إسلام آباد، بل على وقع الانفجارات في بيروت وجنوب لبنان. فإذا استمرت إسرائيل في عملياتها، فإن الهدنة قد تتحول إلى مجرد هدنة على الورق، بينما تظل الحرب مشتعلة على الأرض. أما إذا نجحت الضغوط الدولية في كبح التصعيد، فقد تفتح نافذة حقيقية نحو تسوية طال انتظارها.
لكن المؤكد أن لبنان، مرة أخرى، يقف في قلب العاصفة، ليس فقط كساحة صراع، بل كمفتاح لمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط بأسره.




















0 تعليق