يقدم كتاب "المجوهرات وجسد المرأة.. التطابق والاختلاف مع موضع الارتداء" للكاتب الأكاديمي وليد فاروق قراءة علمية وثقافية في عالم الحُلي، متجاوزًا النظرة التقليدية للمجوهرات باعتبارها مجرد وسيلة للزينة، ليكشف عن علاقة عميقة تربط بين تصميم الحُلي وطبيعة الجسد الإنساني، خصوصًا جسد المرأة.
الكتاب يفتح نافذة على تاريخ طويل من التفاعل بين الفن والتشريح، ويبرز كيف تطورت الحُلي عبر العصور لتلائم مواضع ارتدائها وتحقق التوازن بين الجمال والراحة والأمان.
ويؤكد المؤلف في مقدمة كتابه أن "قيمة الأشياء لا تنفصل عن وظيفتها أو فائدتها"، وهي الفكرة التي تشكل المدخل الأساسي لفهم فلسفة الكتاب.
فالحُلي، في نظره، ليست مجرد قطعة فنية تزين الجسد، بل عنصر وظيفي يتطلب دقة في التصميم والوزن والتوازن حتى يتوافق مع طبيعة الجسم البشري.
الحُلي مرآة المجتمع
ينطلق الكتاب من رؤية ثقافية ترى أن الفنون مرآة صادقة للمجتمع، إذ تعكس أفكاره ومعتقداته وعاداته وتقاليده.
وفي هذا السياق تأتي الحُلي بوصفها أحد أهم الفنون المرتبطة بالمجتمع ارتباطًا وثيقًا، حيث تستمد أشكالها ورموزها من المعتقدات الدينية أحيانًا، ومن عناصر البيئة والطبيعة أحيانًا أخرى.
وتشير الدراسة إلى أن رغبة الإنسان في التزين بالحُلي تعد من أقدم وأقوى الرغبات الإنسانية وأكثرها انتشارًا واستمرارًا عبر التاريخ.
فقد عرف الإنسان منذ العصور الأولى أشكالًا متعددة من الزينة، فصنع العقود والخواتم والأساور من الأحجار والعاج والعظام والأصداف والمعادن والزجاج والخرز، وكانت المرأة عبر التاريخ الأكثر اهتمامًا بالتزين مقارنة بالرجل.
دلالات حضارية وفنية
لا تقتصر الحُلي على بعدها الجمالي فقط، بل تحمل أيضًا دلالات حضارية وثقافية تعكس المستوى الفني والحرفي لكل عصر.
فمع تطور المجتمعات تطورت صناعة المجوهرات، وظهرت تصنيفات متعددة للحُلي، كما تطورت تقنيات إنتاجها وأنظمة تصميمها وأوزانها، بما يضمن ملاءمتها لقياسات الجسم البشري ومواضع الارتداء المختلفة.
ويكشف الكتاب أن صناع الحُلي عبر التاريخ اهتموا بدراسة العلاقة بين شكل القطعة ومكان ارتدائها، فصمموا المجوهرات بحيث تتوافق مع طبيعة الحركة في الجسم، ومع الخصائص التشريحية لكل موضع.
المصري القديم وريادة التصميم التشريحي للحُلي
يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بدور المصري القديم في تطوير صناعة الحُلي، حيث يشير إلى أن صناع المجوهرات في مصر القديمة نجحوا في إنتاج قطع صممت وفق قياسات الجسم البشري وطبيعته التشريحية.
فقد زُيِّن الرأس بأطواق دائرية توضع على الجبين وتحيط بالرأس، بينما استخدمت عقود صغيرة تتكون من صفوف ضيقة تلتف حول الرقبة أسفل الذقن.
ومع مرور الوقت تطورت الدلايات لتصبح قلادات صدرية تتدلى على الصدر.
وفي بداية عصر الدولة الحديثة ظهرت الأساور الصلبة المزودة بمفصلات تساعد على فتحها وغلقها بسهولة، وهو ابتكار يعكس فهمًا عمليًا لكيفية استخدام المجوهرات.
كما استخدم المصري القديم ما يعرف بـ"معادل الثقل" خلف الظهر، ليوازن وزن الياقات العريضة التي كانت توضع على الصدر، حتى لا تنزلق أثناء الحركة. ويكشف ذلك عن وعي واضح بالعلاقة بين الوزن والتوازن في تصميم الحُلي.
حماية الجسد من أضرار الحُلي
ويلفت المؤلف إلى أن المصري القديم أدرك أيضًا حساسية بعض أجزاء الجسم، مثل شحمة الأذن، فعمل على تخفيف أوزان الأقراط بعد أن كان بعضها كبير الحجم وثقيلًا، الأمر الذي كان يؤدي إلى تشوه شحمة الأذن.
وتشير هذه الملاحظات إلى أن صناع الحُلي في الحضارات القديمة لم يهتموا بالجمال فقط، بل حرصوا أيضًا على أن تكون القطع آمنة ومريحة للاستخدام.
من خبر صحفي إلى دراسة أكاديمية
ويكشف المؤلف في مقدمة الكتاب عن الدافع الأساسي لكتابة هذا العمل، حيث استلهم فكرته من خبر نشرته صحيفة ديلي ميل البريطانية حول تزايد عمليات تجميل شحمة الأذن لدى النساء، نتيجة الأضرار التي تسببها الأقراط الثقيلة.
وقد دفعه هذا الخبر إلى إعداد تقرير صحفي حول المواصفات التي ينبغي أن تتوافر في قطع الحُلي حتى تكون مريحة وآمنة، غير أن هذا التقرير تحول لاحقًا إلى دراسة أكاديمية حصل من خلالها على درجة الماجستير، حيث تناول العلاقة بين المجوهرات ومواضع ارتدائها في جسد المرأة.
ومن هنا جاءت فكرة الكتاب الذي حاول فيه المؤلف تقديم مادة مبسطة للقارئ العام، تشرح العلاقة بين قطع الحُلي وجسد المرأة، مع استعراض تاريخ كل قطعة وأصلها، والاعتبارات الفنية والتشريحية التي يجب مراعاتها عند تصميمها.
قراءة علمية في جماليات الحُلي
لا يكتفي الكتاب بتتبع تاريخ الحُلي، بل يقدم أيضًا شرحًا تشريحيًا مفصلًا لمواضع ارتداء المجوهرات في جسم المرأة، موضحًا طبيعة الحركة في كل موضع، والاعتبارات الوظيفية التي يجب أن يراعيها المصمم عند تصميم القطعة.
وبذلك يجمع الكتاب بين الدراسة التاريخية والتحليل الفني والتفسير التشريحي، ليقدم رؤية متكاملة لعالم المجوهرات بوصفه فنًا يجمع بين الجمال والعلم.
بين الفن والوظيفة
في النهاية قدم كتاب "المجوهرات وجسد المرأة" طرح جديد يربط بين الفن والوظيفة، مؤكدًا أن جمال الحُلي الحقيقي لا يكمن في بريقها فقط، بل في قدرتها على التوافق مع الجسد الذي يزينها.
فالكتاب يذكرنا بأن المجوهرات ليست مجرد زينة، بل هي نتاج حضارات وثقافات وتجارب إنسانية طويلة، سعت دائمًا إلى تحقيق التوازن بين الجمال والراحة، وبين الإبداع الفني والطبيعة البشرية.













0 تعليق