في كتابها «حدوتة ع الماشي»، تتوقف الدكتورة لميس جابر أمام تفاصيل صغيرة من المطبخ المصري، لكنها تحمل في طياتها تاريخًا لغويًا عريقًا يمتد إلى جذور الحضارة المصرية القديمة، فمن خلال كلمتين بسيطتين تتردد يوميًا على ألسنة المصريين، تفتح لنا الكاتبة بابًا لفهم عمق العلاقة بين اللغة والحياة اليومية، وكيف تسللت مفردات الماضي إلى حاضرنا دون أن نشعر.
تشير الكاتبة إلى أن المصريين عرفوا عبر العصور بشغفهم بالطعام، ليس فقط من حيث التنوع والابتكار، بل أيضًا في خصوصية المصطلحات التي تميز مطبخهم عن غيره من مطابخ العالم، ومن بين هذه المصطلحات، تبرز كلمة «شوح» التي تستخدم لوصف وضع الطعام على النار بسرعة مع قليل من السمن أو الزيت، كما في تشويح الكبدة أو قطع اللحم، وتوضح أن أصل هذه الكلمة يعود إلى اللغة القبطية، حيث كانت تنطق بالطريقة ذاتها «شوح»، وتحمل معنى الاحتراق أو الجفاف، وهي في الأصل امتداد لكلمة أقدم من اللغة المصرية القديمة «شوي»، التي تعني الشواء أو التجفيف، وهو المعنى الذي لا يزال حاضرًا في الاستخدام المعاصر.
أما الكلمة الثانية فهي «طش»، التي ترتبط بما يعرف في المطبخ المصري بـ«طشة التقلية»، سواء في الملوخية أو غيرها من الأطعمة، وتكشف الكاتبة أن هذه الكلمة أيضًا ذات جذور مصرية قديمة، إذ كانت تنطق «تشا» أو «تش»، وتعني الاصطدام أو التهشم، وهو معنى يعكس بدقة ما يحدث عند إعداد «الطشة»، حين تسكب المكونات الساخنة لتصطدم بالطعام، فتحدث ذلك الصوت المميز وتطلق الرائحة الشهية التي تعد جزءًا من هوية المذاق المصري.
لا تبدو هذه الكلمات مجرد تعبيرات عابرة، بل شواهد حية على استمرارية اللغة المصرية عبر العصور، وعلى ارتباطها الوثيق بثقافة الطعام، التي ظلت دائمًا أحد أبرز ملامح الشخصية المصرية.













0 تعليق