عبدالسلام النابلسى.. الوجه الذى جمع بين الكوميديا والرصانة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كان عبدالسلام النابلسى واحدًا من تلك الوجوه التى يكفى أن تظهر على الشاشة ليعمّ المكان سكينة فنية لا تشبه غيره. لم يكن نجمًا يتوسّل الضوء، بل فنانًا يعرف متى يتقدّم إلى الأثر ومتى يتراجع ليمنح المشهد مساحته. بابتسامة خجولة أو لمحة سريعة، كان يصنع حضورًا لا يضجّ، لكنه يملأ المشهد جمالًا ورهافة.

 

امتلك النابلسى قدرة نادرة على المزج بين الكوميديا الرقيقة والعمق الإنسانى. لم يكن ضحكه «أداءً»، بل قراءة ذكية للنفس البشرية، يلتقط من تفاصيل يومية بسيطة ما يحوّله إلى لحظة فنية لامعة. فى تعبيراته كان يمكن رؤية الشارع والبيت والمقهى، وأنفاس زمنٍ كامل تُروى بخفة ظل لا تنفصل عن الحكمة التى كان يحملها بين السطور.

 

ولأن الكوميديا عنده لم تكن افتعالًا، استطاع أن يجعلها فنًا يقترب من الفلسفة. كان يعرف كيف يترك صمتًا صغيرًا فى منتصف الجملة، وكيف يسمح للشخصية أن تتنفس قبل أن ينطق الكلمة التى تغيّر إيقاع المشهد. تلك القدرة على الإصغاء للحظة هى ما جعلت أداءه طبيعيًا، هادئًا، وخالدًا.

 

نادرًا ما نجد ممثلًا استطاع أن يجمع بين شاعرية الملامح ورصانة الحضور كما فعل النابلسى؛ ممثلٌ يدخلك إلى عالمه دون أن تشعر، ويحملك من الضحكة إلى التأمل بخطوة واحدة. خلف ابتسامته الدافئة كان هناك دائمًا شىء من الحزن الجميل، أو ما يشبه وعيًا عميقًا بالحياة يطلّ من بين المساحات الصامتة فى أدائه.

 

واليوم، بعد أن أصبحت السينما أكثر صخبًا وسرعة، يظلّ عبدالسلام النابلسى علامةً على زمن كانت فيه الضحكة تُصنع بالفكرة، لا بالمبالغة. مدرسة كاملة فى كيفية صناعة البهجة دون أن تفقد عمقها.

 

ترك النابلسى بصمة لا تتكرّر، وجسّد معنى الكوميديا الذكية التى تحفظ للإنسان إنسانيته. يذكّرنا حضوره بأن الفن الراقى لا يحتاج سوى صدق، وتلك القدرة السرية على تحويل اللحظة العادية إلى لحظة تظلّ فى الذاكرة، حتى بعد أن تُطفأ الأنوار.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق