الإثنين 06/أبريل/2026 - 08:11 ص 4/6/2026 8:11:02 AM
في زمنٍ تتشابك فيه الأزمات، وتشتد فيه حدة الصراعات السياسية والاقتصادية، وتتعالى فيه نداءات القوة على حساب صوت الحكمة، يصبح من الضروري أن نعود إلى منابع القيم الكبرى التي تحفظ للإنسان إنسانيته، وتعيد للعالم توازنه المفقود. وفي طليعة هذه القيم يأتي السلام، لا بوصفه شعارًا عابرًا، بل باعتباره أصلًا راسخًا في بنية الدين الإسلامي، وجوهرًا من جواهر رسالته الخالدة.
فالإسلام – في معناه اللغوي والشرعي – قائم على السِّلم، وهو دعوة مفتوحة إلى التعايش، وإرساء دعائم المحبة، وتحقيق الأمن والأمان بين بني البشر جميعًا. ولم يكن هذا المعنى طارئًا أو ثانويًا، بل هو أصل أصيل تؤكده نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتشرحه مواقف أئمة أهل البيت عليهم السلام، وتترجمه التجربة الحضارية الإسلامية في أبهى صورها.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (البقرة)
وكأن الخطاب هنا دعوة شاملة للدخول في منظومة السلام بكل أبعادها: الفكرية والسلوكية والاجتماعية. ويقول تعالى أيضًا:
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء)
في قاعدة عامة تؤكد أن السلام هو الخيار الأفضل دائمًا، مهما تعقدت الظروف.
بل إن الله سبحانه جعل تحية المسلمين فيما بينهم هي السلام، فقال:﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ (النور)
ليكون السلام أسلوب حياة، يبدأ بالكلمة وينتهي بالسلوك.
وفي موضع آخر، يربط القرآن بين السلام والجنة، فيقول: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (الأنعام)
في إشارة عميقة إلى أن السلام ليس مجرد حالة دنيوية، بل هو غاية أخروية أيضًا.
أما سيدنا النبي صلى الله عليه وآله فقد جسّد هذا المبدأ في أقواله وأفعاله، فقال: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"،
وقال أيضًا: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"،
وفي حديث آخر يختصر جوهر الأخلاق الإسلامية: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ومن أروع ما ورد عنه صلى الله عليه وآله أيضًا قوله: "المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف"، وهو تأكيد على أن الإنسان في الإسلام كائن اجتماعي، قوامه الألفة، لا العزلة ولا العداء.
وعلى نهج النبي، سار أئمة أهل البيت عليهم السلام، فكانوا صوت العدل، ورواد السلام، ودعاة الإنسانية. يقول الإمام علي عليه السلام: "كونوا للظالم خصمًا، وللمظلوم عونًا"،
وهي قاعدة توازن بين رفض الظلم والسعي إلى تحقيق السلام القائم على العدل وحفظ الحقوق والندية.
ويقول أيضًا في كلمته الخالدة: "الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق".
وهي عبارة تؤسس لفلسفة إنسانية راقية، تعترف بالآخر وتحتضنه، مهما اختلفت الانتماءات.
أما الإمام الحسن عليه السلام، فقد جسّد السلام في موقفه التاريخي حين آثر حقن الدماء على الاستمرار في الحرب، مؤكدًا أن حفظ الأرواح أولى من تحقيق المكاسب السياسية. وكذلك الإمام الحسين عليه السلام، الذي خرج لإحياء العدل ورفض الظلم، لا لنشر الحرب، فكان شعاره في جوهره دعوة لإصلاح الأمة وإعادة التوازن إليها.
وفي تراث السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، نجد تأكيدًا عميقًا على أن السلام لا يتحقق إلا بالعدل، حيث قالت: "وجعل الله العدل تنسيقًا للقلوب"،
فالقلوب لا تجتمع على ظلم، ولا تستقر في ظل جور، وإنما يحقق العدل وحده الانسجام الحقيقي بين الناس.
إن القتال في الإسلام، كما تؤكد النصوص، ليس أصلًا، بل استثناء تضطر إليه الأمة حين يُفرض عليها فرضًا. يقول تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (البقرة)
ويقول أيضًا: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (النساء)
وهي نصوص صريحة تقيد القتال بالدفاع، وتفتح الباب واسعًا أمام السلام متى ما أمكن.
وفي هذا السياق، يقول الإمام علي عليه السلام: "لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمد الله على حجة"
في تأكيد واضح على أن الحرب لا تكون إلا ردًا على العدوان.
وإذا انتقلنا إلى الشعر، وجدنا أن الحكماء قد أدركوا منذ القدم أن الطمع هو أصل النزاعات، وأن القناعة هي مفتاح السلام، فقال الشاعر:
ما كل ما فوق البسيطة كافيًا
فإذا قنعت فكل شيءٍ كافِ
إن ما يشهده العالم اليوم من حروب ونزاعات، إنما يعود في جانب كبير منه إلى غياب القناعة، واستفحال الطمع، وسعي بعض الدول أو الأفراد إلى الاستحواذ على ثروات غيرهم. ولو أن كل إنسان، وكل أمة، رضيت بما قسم الله لها، وسعت إلى تنمية مواردها بدل السطو على غيرها، لعمّ السلام أرجاء الأرض.
ومن هنا، فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق قادة العالم، من حكام وحكومات، وكذلك على رجال الدين والمفكرين. فهؤلاء مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بنشر ثقافة السلام، وتعزيز قيم العدل، والعمل على رد الحقوق إلى أصحابها، لأن السلام لا يمكن أن يُبنى على الظلم.
إن العالم لا يحتاج فقط إلى اتفاقيات سياسية، بل إلى قناعة أخلاقية عميقة بأن السلام هو الخيار الوحيد القابل للاستمرار، وأن القوة الحقيقية ليست في فرض السيطرة، بل في تحقيق العدالة.
وفي الختام، يبقى الإسلام – في جوهره – رسالة سلامٍ للعالمين، ودعوة مفتوحة لكل إنسان كي يعيش في أمنٍ وأمان، في ظل قيم العدل والمحبة والإنسانية. وإذا ما استوعب البشر هذه الرسالة، وعملوا بها، فإن السلام لن يكون حلمًا بعيدًا، بل واقعًا حيًا، يملأ الأرض نورًا كما أرادها الله تعالى.
إن ترسيخ السلام المبني على العدل وحفظ الحقوق في وعي المجتمعات لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل يحتاج إلى خطاب حيّ يتبناه أهل التأثير في الناس، وفي مقدمتهم الشيوخ والدعاة، وكذلك الحكام وصنّاع القرار. فهؤلاء يحملون أمانة عظيمة، تتمثل في تصحيح المفاهيم، وإزالة ما علق بالأذهان من تصورات خاطئة، ترسّخت عبر فترات من التوظيف السياسي أو الفهم القاصر، حتى صُوِّر الإسلام – ظلمًا – وكأنه دين صراع لا دين سلام. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ (يونس)
اللهم صل على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد رسول السلام والرحمة للعالمين.















0 تعليق