في كتابها الجديد «حدوتة ع الماشي»، تأخذ الدكتورة لميس جابر القراء في جولة استثنائية داخل واحد من أقدم شوارع القاهرة التاريخية، وهو شارع الخرنفش، الذي يحمل بين جنباته حكايات تمتد عبر عصور متعددة، لتكشف عن ملامح الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والعلمية في قلب المدينة.
تشير «جابر» إلى أن الشارع يبدأ بعنق ضيق مزدحم، قبل أن ينفتح تدريجيًا وصولًا إلى شارع بورسعيد، ويتفرع إلى شبكة كثيفة من الحارات المتلاصقة، ما أتاح للسكان حالة نادرة من الألفة والترابط المجتمعي.
وأوضحت أن اسم "الخرنفش" يعود إلى مادة كانت تُستخرج من وقود الحمامات القديمة وتتحجر لتستخدم مع الجير في أعمال البناء.
واكتسب الشارع اسمه حين استخدمت هذه المادة في بناء القصر الغربي في عهد الخليفة العزيز بالله الفاطمي، ثم ترسخ الاسم بعد أن أطلق على دار فخمة وصفها المؤرخون بأنها من أروع مباني القاهرة في تلك الحقبة.
وأكدت أن أبرز معالم الشارع التاريخية تشمل حارة الأمراء التي تعود إلى العصر الفاطمي، حيث كان السكن فيها مقتصرًا على أقارب الخليفة، قبل أن يسكنها لاحقًا توران شاه شقيق صلاح الدين الأيوبي، لتعرف فيما بعد باسم "درب شمس الدولة".
كتاب حدوتة ع الماشي
وأضافت أن الشارع شهد تحولات هامة على مر العصور، فقد احتضن دار الوزارة في العصر الفاطمي، والتي تحولت لاحقًا إلى مقر لاستقبال الرسل والمبعوثين، ليصبح مركزًا دبلوماسيًا بارزًا، قبل أن يأمر صلاح الدين الأيوبي بتحويل المكان إلى سجن، احتُجز فيه أبناء آخر الخلفاء الفاطميين.
وعلى مقربة من هذه المواقع التاريخية، أنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة، التي ضمت مكتبة ضخمة من الكتب والمخطوطات، لتصبح قبلة للعلماء والأطباء والفقهاء، ما يعكس الدور العلمي والثقافي الذي لعبه الشارع عبر العصور.
وفي العصر الحديث، حافظ شارع الخرنفش على مكانته التاريخية والثقافية، حيث يضم مدرسة القديس يوسف التي تخرج فيها عدد من رموز الفن والثقافة المصرية، من بينهم الفنان نجيب الريحاني، كما سكنه فترة الفنان محمد عبد الوهاب بعد انتقاله من حي باب الشعرية.
حكايات شارع الخرنفش
ولم يقتصر دور الشارع على الجانب الثقافي، إذ يتميز كذلك بالجانب الحرفي، حيث تضم حارة خميس العدس تاريخًا صناعيًا هامًا، بما في ذلك مشغل كسوة الكعبة، بالإضافة إلى ورش صناعية أنشأها محمد علي باشا.
تعكس هذه المعالم التاريخية والاجتماعية والثقافية عمق المكانة التي يحتلها شارع الخرنفش في ذاكرة القاهرة، فهو ليس مجرد شارع عابر، بل سجل حي لتاريخ المدينة، يروي قصصًا عن الحياة اليومية، السياسة، الثقافة، والتعليم، والصناعات التقليدية، ويستمر في جذب المهتمين بالتاريخ والآثار والحياة الاجتماعية للمدينة القديمة.













0 تعليق