ليالى الغرفة فى سوهاج 8 عروض مبهرة تكسر «مركزية الخشبة» وتنحاز لـ«التمرد الجمالى»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

على بعد حوالى ٥٠٠ كيلومتر من جنوب القاهرة؛ انطلقت فعاليات مهرجان «ليالى مسرح الغرفة» فى مدينة سوهاج العريقة فى صعيد مصر، خلال ٧ فبراير من العام الجارى حتى ١٢ فبراير، بالتعاون مع مشروع Creative Circle، المقام بالشراكة بين المجلس الأعلى للثقافة واتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية، وبالتعاون مع الهيئة العامة لقصور الثقافة وعدد من المؤسسات والمساحات المستقلة فى المحافظة. 

تلقيت دعوة للمشاركة فى ندوات «ليالى مسرح الغرفة» فى سوهاج من مؤسسة الملتقى، الفنانة ومصممة الديكور فاطمة أبوالحمد، وأثناء الرحلة فكرت فى إذا ما كان الوصول إلى سوهاج لمشاهدة المسرحيات وإلقاء بعض المحاضرات التطبيقية مجرد رحلة جغرافية فحسب، أم هو انتقال من مركزية القاهرة الصاخبة إلى بقعة عريقة من أرض مصر، تبحث عن صوتها الخاص وتعيد مساءلة علاقتها بالمسرح بوصفه ضرورة، لا ترفًا عابرًا.

وعينا عن المسرح وإمكاناته وفنياته وجمالياته؛ يتطور عندما يصبح هناك نشاط مسرحى مستمر. وما أدركته عن سوهاج، خلال الفترة الماضية، أن تعطل قصور الثقافة وتعثرها فى إعادة افتتاح مسارحها لسنوات ليست قليلة أديا إلى تراجع الفنانين من سوهاج عن ممارسة المسرح، لم يكن ذلك مجرد عطب إدارى؛ بل له أثر مباشر فى انكماش الممارسة، وبالتالى صارت مشاركة المسرحيات من سوهاج فى المهرجانات المركزية شيئًا شبه نادر.

جاءت عروض الدورة الأولى كالتالى: «الكراسى»، تأليف يوجين يونسكو، إخراج دياب كمال، و«حضور فادح»، تأليف عمار نعمة، إخراج يوسف إسلام، و«متر نور»، تأليف وإخراج أحمد خالد، و«ميم ميم»، تأليف هانى مهران، إخراج محمد حمدى، و«رسائل الأسفار»، تأليف محمود محمد، إخراج مارك صفوت، و«س»، تأليف مصطفى إبراهيم، إخراج مصعب صبرى. 

«نقيق»، تأليف روعة سنبل، إخراج أبانوب جرجس، و«الرجل والكلب»، تأليف إبراهيم الحسينى، إخراج أبوبكر مظهر.

وجاءت «ليالى مسرح الغرفة» كأحد الردود العملية على غياب المسارح المجهزة فى سوهاج، وتعثر البنية التحتية، وقلة المنافذ الإنتاجية لفنانى المحافظة، هنا لا تُختزل الأزمة فى نقص الإمكانات، بل تُعاد صياغتها بوصفها حافزًا لابتكار بديل جمالى، وهو «مسرح الغرفة» ليس فقط باعتباره شكلًا فنيًا جماليًا ولكنه أحد أشكال المقاومة والاستمرار فى الوجود. 

تكمن أهمية ليالى مسرح الغرفة فى قدرته على إعادة تأسيس العلاقة بين الفنان والجمهور، دون التقيد باعتبارات المكان أو التجهيزات أو المنح الإنتاجية، ومن هنا نلمس وعيًا مختلفًا بالمسرح وإمكاناته وفنياته. 

من هنا تتبدى أهمية «ليالى مسرح الغرفة».. إنه لا يكتفى بتقديم عروض، بل يعيد تأسيس العلاقة بين الفنان والمكان. وهكذا يصنع النشاط المستمر وعيًا مختلفًا بإمكانات المسرح وفنياته. ويخلق التراكم- لا الحدث المنفرد- تقاليد جديدة، وأجيالًا جديدة يمنحها فرصة اختبار أدواتها أمام جمهور حى.

ولأن المسرح فى جوهره يتأسس على العلاقة بين الممثل والجمهور؛ بدا المهرجان كمن يعيد ضخ الدم فى الشرايين. فقد رأينا كيف عاد مسرحيون إلى الخشبة بعد غياب، لا بدافع الحنين، بل لأن ثمة نافذة فُتحت أخيرًا... فكل انقطاع طويل يهدد هذه العلاقة بالذبول. ليست المساحة شرطًا للترف البصرى؛ بل إطار لحرية التجريب، وبناء ثقة متبادلة بين المبدع والجمهور. 

نجح «ليالى مسرح الغرفة»، فى دورته الأولى، فى تقديم ثمانية عروض، أى ثمانية مخرجين شبان، وعشرات الممثلين والممثلات، فضلًا عن ممارسين فى الملابس والمكياج والديكور والإضاءة. هذا الرقم، فى سياق محافظة تعانى تعثرًا مؤسسيًا، ليس إحصاءً باردًا، بل مؤشر على طاقة كامنة كانت تنتظر فقط منصة حقيقية للتعبير عن طاقتها. 

غالبًا ما يُقال إن صعيد مصر يأتى متأخرًا، وأرى أن مثل هذه الآراء الكسولة تتجاهل الفوارق البنيوية، لأنه فى حالة «ليالى مسرح الغرفة» يمكن القول إن سوهاج تقدمت بخطوة نوعية على أغلب الفعاليات، لأن اختيار «مسرح الغرفة» كشكل فنى لإتاحة الفرصة لشباب المسرحيين لتقديم إبداعاتهم فى فعالية تنافسية؛ لم تفرض من أعلى، بل انبثقت من احتياجات المكان، لذلك جاءت أكثر التصاقًا بواقع سوهاج، وأصدق فى طموحها.

انحاز «ليالى مسرح الغرفة» إلى العروض المسرحية القصيرة، التى تتسم بسرعة الإيقاع، والتكثيف الشديد، ولا يتجاوز زمنها الفعلى ٦٠ دقيقة، وقد جاء بالفعل أغلب العروض فى مدة زمنية تتراوح بين ٢٠ دقيقة و٣٠ دقيقة. وهو ما يلفت الانتباه إلى أن هذه الفعالية تؤسس «جماليًا» لشكل فنى غير شائع فى صعيد مصر، الذى اعتاد لفترات طويلة على تقديم مسرحيات فى نوع واحد فقط من المسارح عالية التجهيز، وهو مسرح العلبة الإيطالى. هنا يخرج المهرجان عن هذا النمط، متخليًا عن الكلفة العالية لصالح حميمية الفضاء.

هذا الانحياز يعيد الاعتبار للممثل والجمهور بوصفهما قطبى العملية المسرحية. تاريخيًا، ارتبط صعود «مسرح الغرفة» فى أوروبا بحركات احتجاجية فى منتصف القرن العشرين، على صعوبات الإنتاج والقيود الرقابية الصماء، لذلك سعى فنانون إلى كسر مركزية الخشبة التقليدية، وتقديم عروض فى غرف بسيطة سهلة التجهيزات، ويمكن استدعاء تجارب مثل «The Living Theatre» بوصفها مثالًا على هذا التمرد الجمالى.

أما فى سوهاج، فانطلقت عروض «ليالى مسرح الغرفة» فى قاعات قصر ثقافة سوهاج، وقصر ثقافة أخميم، ومؤسسة رحالة للفنون؛ باعتبارها مساحات للفعل المسرحى، دون الاتكاء بشكل صارم على جماليات «مسرح الغرفة» أو خصوصيته الثقافية. ويمكن القول إن هذه التجربة فى مهدها قد تبشر بتجربة محلية فريدة من نوعها فى هذا الشكل الفنى المعاصر. 

لم يكن الأمر استعادة حرفية لتجربة غربية، بل توطينًا لروحها. العروض، سواء فى قاعات قصر ثقافة سوهاج أو أخميم أو فى مؤسسة رحالة للفنون، انطلقت من الغرفة كفضاء تبادل مباشر. 

تنوعت النصوص بين المصرية والعربية والعالمية، بما يكشف أفقًا ثقافيًا مفتوحًا لدى صناع المسرح فى المدينة. هذا التنوع لا يعنى تكديس عناوين، بل رغبة فى اختبار أشكال متعددة للكتابة. بعض المعالجات اعتمدت على ضغط نصوص طويلة، وتحويلها إلى بنيات مكثفة تناسب زمن الغرفة. وبعض العروض تباينت بين الفصحى والعامية، وأحيانًا تكون مزيجًا بينهما. هذا التداخل لم يكن دائمًا متماسكًا، لكنه يعكس مدى انشغال الفنانين فى سوهاج بالبحث عن نبرة أقرب إلى الجمهور المحلى. المسألة ليست فى اختيار لغة بعينها، بل فى قدرة الأداء على تجسير الفجوة بين النص والمتلقى.

الوحدة وحرية الإرادة، وأسئلة السلطة والرغبة فى التحرر؛ هى السياقات الأساسية التى مرّت فيها ٨ عروض من «ليالى مسرح الغرفة» فى دورته الأولى. بعض العروض حاول إعادة تعريف القيم العليا كالعدل والمساواة، لا عبر خطاب مباشر، بل من خلال صراعات شخصيات مأزومة، وهنا بدا المسرح ساحة اختبار أخلاقى، لا منبر وعظ.

ومع ذلك، لم تتحرر كل العروض بالكامل من إرث مسرح العلبة الإيطالى، فبعض المخرجين ظلوا أسرى تقنيات الإيهام، أو تعاملوا مع الجمهور بوصفه كتلة صامتة.. وفى الغرفة، هذا الاختيار يبدو مرتبكًا، فالمسافة قصيرة، وأى خلل فى الإيقاع أو الصدق يُكشف فورًا.

فى «مسرح الغرفة» لا مسافة أمان بين الممثل والمتلقى؛ كل نظرة، التفاتة، همسة، أو إيماءة تصبح جزءًا من العرض. الممثل فى «مسرح الغرفة» تحت مجهر دائم، وهذا يفرض انضباطًا عاليًا، وقدرة على التحكم فى التفاصيل الدقيقة. بعض العروض نجح فى استثمار ذلك، فخلق توترًا حميمًا، بينما تعثر بعضها حين بالغ فى الأداء أو فقد تركيزه.

من الصعب الجزم بأن هناك وعيًا مذهبيًا واضحًا ملموسًا فى هذه العروض، لكن تنوعت المدارس بين الكوميدى والتراجيدى، مرورًا بالمونودراما والتعبيرية والواقعية. هذا التعدد، رغم تباين مستواه، يعكس حيوية المشهد المسرحى فى سوهاج. ليس من السهل أن يحقق مهرجان ناشئ نضجًا كاملًا من دورته الأولى، لكن يمكنه أن يؤسس لمختبر مفتوح، تتراكم فيه الخبرات وتُصقل التجارب. فى المحصلة، «ليالى مسرح الغرفة» فى سوهاج ليس حدثًا احتفاليًا عابرًا، بل محاولة جادة لإعادة تعريف علاقة المدينة بالمسرح، إنها تقول بوضوح إن الإبداع لا ينتظر اكتمال البنية التحتية. أحيانًا تكفى غرفة، وبعض الجرأة، ليبدأ تاريخ جديد فى الهامش.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق