"الإبداع في مواجهة التطرف".. الثقافة تعيد رسم دورها لحماية وعي الأطفال في العصر الرقمي

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في لحظة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع تشكيل الوعي، لم يعد السؤال المطروح هو ماذا يشاهد الأطفال؟ بل من يصنع هذا المحتوى، وبأي رؤية؟ من داخل أروقة البرلمان، تفتح د.جيهان زكي، وزيرة الثقافة، ملفًا بالغ الحساسية، واضعة الثقافة في صدارة معركة حماية النشء من مخاطر العالم الرقمي، مؤكدة أن الإبداع لم يعد رفاهية، بل ضرورة في مواجهة التطرف وصياغة وعي الأجيال الجديدة.

مشاركة وزيرة الثقافة في جلسة لجنة الاتصالات بمجلس النواب لمناقشة مشروع قانون حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت، تكشف عن تحول نوعي في نظرة الدولة إلى الدور الثقافي، حيث لم يعد مقتصرًا على الإنتاج الفني أو رعاية الفعاليات، بل بات جزءًا من منظومة متكاملة تستهدف بناء الإنسان.

ويأتي طرح «الإبداع نقيض التطرف» كعنوان عريض لهذه الرؤية، في تأكيد على أن اتساع مساحات الفن والمعرفة يمثل خط الدفاع الأول ضد الفكر المتشدد.

ما ذكرته الوزيرة يعكس كذلك انتقال وزارة الثقافة إلى مرحلة أكثر فاعلية، من خلال إعلان مراجعة شاملة لكل ما يقدم للأطفال من محتوى ثقافي وفني، هذه الخطوة لا تحمل فقط بعدًا رقابيًا، بل تشير إلى محاولة لإعادة ضبط بوصلة الإنتاج الثقافي بما يتماشى مع القيم التربوية، دون الوقوع في فخ المنع أو التضييق، وهو توازن دقيق تسعى الوزارة لتحقيقه.

في السياق، يتسع مفهوم «الوسطية» ليشمل المحتوى الثقافي والفكري وليس فقط الخطاب الديني، في محاولة لبناء نموذج متوازن يعكس هوية المجتمع ويواكب في الوقت نفسه تحديات العصر الرقمي، فالأطفال اليوم لم يعودوا متلقين لمحتوى محلي فقط، بل أصبحوا جزءًا من فضاء مفتوح، ما يفرض على المؤسسات الثقافية تطوير أدواتها وخطابها ليكون أكثر جذبًا وتأثيرًا.

كما يبرز دعم مشروع قانون حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت كجزء من رؤية تكاملية، تعتمد على التعاون بين وزارات الثقافة، والتعليم، والاتصالات، بجانب مؤسسات معنية مثل المجلس القومي للطفولة والأمومة، هذا التكامل يعكس إدراكًا بأن حماية الطفل في العصر الرقمي لا يمكن أن تتحقق بجهة واحدة، بل عبر شبكة متكاملة من الأدوار والسياسات.

ورغم وضوح الرؤية، يبقى التحدي الأكبر في التنفيذ، خاصة في ظل السرعة الهائلة لتطور المحتوى الرقمي وتعدد منصاته، فالمعركة لم تعد فقط في ضبط ما يعرض، بل في القدرة على إنتاج بدائل قادرة على المنافسة وجذب انتباه الأطفال، وهو ما يتطلب استثمارًا حقيقيًا في الإبداع والكوادر الثقافية.

ويكشف طرح جيهان زكي عن إعادة تموضع واضحة لدور الثقافة في مصر، من الهامش إلى القلب، ومن التكميل إلى التأثير المباشر، وبين الطموح والواقع، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل تنجح المؤسسات الثقافية في كسب معركة الوعي؟ أم تظل رهينة الأدوات التقليدية في عالم يتغير كل لحظة؟

وشاركت وزيرة الثقافة في جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب برئاسة النائب أحمد بدوي، لاستكمال النقاش حول إعداد مشروع قانون لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت، بحضور السيد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، والمهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والدكتورة سحر السنباطي، رئيس المجلس القومي للطفولة والأمومة ومحمد شمروخ، الرئيس التنفيذي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والدكتورة راندا محمد أحمد مصطفى، رئيس لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة بمجلس النواب، فضلًا عن مشاركة عدد من طلاب الجامعات والمدارس الحكومية والخاصة والدولية.

وأكدت وزيرة الثقافة أهمية الدفع بالفنون والإبداع في منصات التواصل والمحتوى الذي يتعرض له الأطفال في سن الطفولة والمراهقة عبر الإنترنت، مشددة على أن تشكيل وعي الطفل مسؤولية تقع على المدرسة والأسرة والأم بشكل خاص، وكل المنظومة الحية النابضة التي تتعامل مع الأطفال والمراهقين.

وقالت وزيرة الثقافة إن الوزارة تعمل على البرامج التي تستهدف وعي الأطفال والشباب، عملًا بالقاعدة الرئيسية التي تسير عليها الوزارة في الوقت الراهن وهي أن “الإبداع نقيض التطرف”، مؤكدة أن اتساع مساحات الفن والثقافة والمعرفة يسهم بشكل مباشر في انحسار الفكر المتشدد ويعزز مناعة المجتمع، خاصة لدى الأجيال الجديدة.

كما أشارت إلى أن دور الوزارة سيكون ميدانيًا ومؤثرًا لحماية الوعي الوطني، وأن الفترة القادمة ستكون أكثر إشراقًا بالفن والثقافة، في إطار رؤية الدولة لبناء الإنسان المصري وتعزيز قواه الناعمة.

وتعهدت د.جيهان زكي بمراجعة كل ما يُقدَّم للأطفال من محتوى ثقافي وفني داخل نطاق عمل الوزارة، بما يضمن خروجه بصورة لائقة تتناسب مع القيم التربوية والثقافية المستهدفة، مؤكدة أن الهدف ليس فرض الرقابة بقدر ما هو ضبط المحتوى وتوجيهه بما يخدم مصلحة الطفل.

وأوضحت وزيرة الثقافة أن مشروع قانون حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت يمثل ضمانة مهمة لحماية الأطفال، باعتبارهم الفئة الأكثر احتياجًا للرعاية والتوجيه، ولعدم امتلاكهم القدرة الكاملة على حماية أنفسهم من المخاطر الرقمية، مشيدة بالدور الذي تضطلع به وزارة التربية والتعليم في تطوير منظومة الإنترنت الموجه للأطفال، بما يسهم في توفير بيئة رقمية أكثر أمانًا تدعم بناء الوعي والمعرفة لدى النشء.

كما أكدت أن عمل وزارة الثقافة يتكامل بصورة وثيقة مع وزارات التربية والتعليم، الاتصالات، الأوقاف، وغيرها من مؤسسات الدولة، انطلاقًا من أن مفهوم الوسطية لا يقتصر، فقط، على البعد الديني، بل يمتد أيضًا إلى وسطية المحتوى الثقافي والفكري، بما يسهم في بناء الوعي السليم وترسيخ القيم الإيجابية.

وفي ختام كلمتها، وجّهت جيهان زكي الشكر إلى أعضاء اللجنة على انعقاد الجلسة، مؤكدة استمرار المناقشات للوصول إلى صياغة نهائية للقانون تحقق التوازن بين التطور التكنولوجي وحماية النشء، وتلبي تطلعات المجتمع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق