قالت الدكتورة أريج جبر، أستاذ العلوم السياسية، إن سلوك الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن قراءته باعتباره سلوك دولة تقليدية، بل هو امتداد لمشروع أيديولوجي إحلالي توسعي، يعمل بصورة تراكمية على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن تفوقه البنيوي ويمنع نشوء أي تهديد وجودي مستقبلي.
وأوضحت، في تصريحات خاصة لـ«الدستور»، أن هذا المشروع يقوم على تفكيك المنظومة العربية وتقويض مراكز القوة داخلها، من خلال طرح عشرات المشاريع والأفكار التي صاغتها الصهيونية العالمية، والتي تستهدف إضعاف الدول وإثارة الفوضى داخلها، تمهيدًا للانقضاض على مقومات قوتها.
وأضافت أن فتح الجبهات المتعددة لا يمثل هدفًا في حد ذاته، بل يعد أداة ضمن استراتيجية أشمل تستهدف إعادة صياغة ميزان القوى الإقليمي، ومنع تشكل جبهة عريضة مناهضة، خاصة في ظل تصاعد خطاب الكراهية ضد الاحتلال، مقرونًا بدعوات «وحدة الساحات» التي تربط بين فلسطين ولبنان وإيران وامتداداتها.
وأشارت إلى أن تل أبيب انتهجت في هذا السياق سياسة تقوم على توحيد ساحات الاستهداف بهدف تفكيك ساحات الفعل، من خلال تنفيذ ضربات متزامنة تستهدف إضعاف الترابط العملياتي والأيديولوجي بين قوى المقاومة، ومنع تحول هذا الترابط إلى منظومة ردع متكاملة.
وبينت أن هذه المقاربة تستند إلى منطق الضربة الاستباقية، حيث ينظر إلى تراكم القدرات العسكرية لدى الخصوم باعتباره تهديدًا مستقبليًا، ما يدفع إلى استهداف هذه القدرات مبكرًا بهدف شلها وتقليص فرص امتلاك زمام المبادرة، فضلًا عن دفع الدول العربية إلى استشعار أنها في قلب الخطر، وأن هناك تهديدًا أكبر من الاحتلال.
وأكدت أن هذه الاستراتيجية تدار في إطار ما يمكن وصفه بـ«التصعيد المضبوط تحت العتبة»، أو ضمن نظرية «الصدمة والترطيب»، بحيث يتم استنزاف الخصوم عسكريًا وإرهاقهم، مع تدمير مقومات قدرتهم، بالتوازي مع تقويض عناصر الحياة والتنمية، ولكن دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، وذلك من خلال توزيع الضغوط والضربات جغرافيًا ووظيفيًا.
ولفتت إلى أن الاحتلال يعمل أيضًا على افتعال مواجهات في سياق ممنهج، يوظفها ضمن خطاب «الخطر الوجودي» لإعادة إنتاج التماسك الداخلي، خاصة في ظل الأزمات السياسية، حيث يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تعزيز شرعيته عبر الأداء العسكري، مستفيدًا من ظاهرة الالتفاف الشعبي حول القيادة في أوقات الحرب، وهو ما يؤدي إلى تراجع التركيز على إخفاقاته وأزماته الداخلية ومحاكماته.
وشددت على أن اليمين المتطرف داخل إسرائيل يلعب دورًا مؤثرًا في دفع مسار التصعيد، من خلال تبني أفكار أكثر جموحًا مستلهمة من فكر جابوتنسكي القائم على أن «ما لا يؤخذ بالقوة يؤخذ بالمزيد من القوة»، وهو ما ينعكس في طرح رؤى توسعية تشمل إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، والترويج لمشروعات مثل المناطق العازلة والتهجير، بما يعمق الطابع الأيديولوجي للصراع.
وأضافت أن أحد الأهداف الإقليمية الرئيسية يتمثل في تقليم النفوذ الإيراني واستهداف امتداداته في لبنان والعراق واليمن، دون الوصول إلى مواجهة شاملة، إلا أن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر كبيرة، أبرزها احتمال الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع نتيجة تفاعل الردود المتبادلة.
وأشارت إلى أن إسرائيل تسعى كذلك إلى تفكيك البيئات الداخلية للدول التي تنشط فيها قوى المقاومة، عبر خلق توترات بين هذه التنظيمات والدول، بما يؤدي إلى إضعاف التماسك الداخلي وتحويل الصراع إلى داخل هذه الدول، وهو ما يسهل تنفيذ الأهداف التوسعية.
وعلى الصعيد الدولي، أوضحت أستاذ العلوم السياسية أن إسرائيل تحاول توجيه رسائل إلى الولايات المتحدة تؤكد فيها أنها الفاعل المركزي في ضمان أمن المنطقة، وتسعى إلى فرض معادلة جديدة تقوم على «التطبيع مقابل الاستقرار»، مع العمل على تهميش القضية الفلسطينية وإخراجها من مركزية النظام الإقليمي.
وشددت على أنه رغم ما يبدو من تماسك في هذه الاستراتيجية، فإنها تنطوي على مخاطر عالية، في مقدمتها احتمالات سوء التقدير وفقدان السيطرة على مسارات التصعيد، وهو ما قد يؤدي إلى تحول التصعيد المحدود إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، مشيرة إلى أن فتح الجبهات يعكس محاولة لإعادة بناء الردع وتفكيك الخصوم وإعادة تشكيل الإقليم، لكنه في الوقت ذاته يمثل مغامرة استراتيجية قد ترتد بنتائج عكسية في بيئة شديدة التعقيد.

















0 تعليق