تحمل المكالمة الهاتفية الأخيرة التى تلقاها الرئيس عبدالفتاح السيسى من نظيره الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى، دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد البروتوكول الدبلوماسى، خاصة فى ظل التعقيدات الراهنة للمشهد الدولى، هذا الاتصال له مغزى كبير فى هذا التوقيت، لأنه يسلط الضوء على الدور المصرى المتوازن وتأثيرات الأزمة الأوكرانية على الأمن القومى العربى والإفريقى.
يأتى اتصال زيلينسكى بالرئيس السيسى اعترافًا بالوزن الإقليمى لمصر كدولة محورية تمتلك علاقات متوازنة مع جميع أطراف الصراع الدولى، فمصر رغم عضويتها فى «بريكس» وعلاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع روسيا، تحتفظ فى الوقت ذاته بشراكة قوية مع القوى الغربية، هذا التوازن يجعل من القاهرة قناة اتصال مقبولة وموثوقة.
إن لجوء أوكرانيا للتواصل مع القيادة المصرية يعكس رغبتها فى حشد تأييد دول الجنوب العالمى، وإيصال وجهة نظرها لدولة تحظى باحترام كبير فى الدوائر الإفريقية والعربية، مما قد يسهم فى خلق ضغط دبلوماسى ناعم يدفع باتجاه حلول سلمية تراعى السيادة الوطنية.
ولا يمكن قراءة هذا الاتصال بمعزل عن ملف الأمن الغذائى العالمى. وتعتبر مصر من أكبر مستوردى القمح فى العالم، وكانت دولتا أوكرانيا وروسيا المصدرتين الرئيسيتين لهذه السلعة الاستراتيجية.
ويسعى زيلينسكى من خلال هذا التواصل إلى التأكيد على استمرارية التزام بلاده بتموين الأسواق العالمية بالحبوب، رغم التحديات العسكرية فى البحر الأسود.
ولقد ناقش الاتصال- بلا شك- آليات تأمين وصول الشحنات، وهو أمر حيوى للأمن القومى المصرى لتجنب أى هزات فى أسعار السلع الأساسية. وبالنسبة لأوكرانيا فإن ضمان تدفق الحبوب إلى مصر يعنى الحفاظ على مورد اقتصادى ضخم وحليف اقتصادى مهم فى المنطقة.
وتعتبر مصر ركنًا أساسيًا فى لجنة الاتصال العربية والمبادرة الإفريقية التى تسعى للوساطة بين موسكو وكييف.
إن اتصال زيلينسكى بالرئيس السيسى يمثل محاولة لتحريك المياه الراكدة فى هذه المبادرات، فأوكرانيا تدرك أن الحل لن يأتى فقط من خلال الدعم العسكرى الغربى، بل يحتاج إلى غطاء سياسى من دول أخرى والقوى الإقليمية الكبرى، الرئيس السيسى من جانبه يؤكد دائمًا ضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والعودة إلى طاولة المفاوضات، وهو موقف يلقى صدى لدى الطرفين اللذين استنزفتهما الحرب.
توقيت المكالمة يطرح تساؤلات حول تطورات الميدان والضغوط الدولية، فمع طول أمد الصراع، تبحث كييف عن توسيع دائرة الشرعية الدولية لمواقفها، ويبرز الاتصال الجانب الإنسانى وحرص مصر على خفض التصعيد العسكرى الذى تضرر منه العالم أجمع.
وتتطلع أوكرانيا لمرحلة ما بعد الحرب، حيث يمكن لمصر أن تلعب دورًا فى مشروعات إعادة الإعمار، أو التعاون فى مجالات الطاقة والتكنولوجيا التى كانت تميز العلاقات الثنائية قبل فبراير ٢٠٢٢. ويعكس استقبال هذا الاتصال من جانب مصر ثوابت السياسة الخارجية المصرية والقائمة على احترام القانون الدولى، والتأكيد على سيادة الدول ووحدة أراضيها. إضافة إلى عدم الانخراط فى سياسة المحاور، والعمل من أجل السلام العالمى.
أما المصلحة الوطنية لمصر، فهى تأمين الاحتياجات الاقتصادية والغذائية للشعب المصرى فى ظل أزمة عالمية طاحنة.
إن مغزى اتصال الرئيس الأوكرانى بالرئيس السيسى يتلخص فى كون مصر صمام أمان استراتيجى فى المنطقة. وزيلينسكى لا يتصل فقط برئيس دولة كبرى، بل يتصل بصوت العقل الذى ينادى بوقف نزيف الدماء وتجنيب العالم ويلات حرب اقتصادية شاملة.
هذا التواصل هو خطوة فى مسار طويل نحو البحث عن مساحات مشتركة قد تؤدى فى النهاية إلى تسوية تحفظ مصالح الجميع، وتؤكد أن القاهرة تظل دائمًا وجهة لمن يبحث عن حلول حقيقية فى عالم يضج بالصراعات. المكالمة ليست مجرد تشاور، بل هى اعتراف بأن مفاتيح الاستقرار فى الشرق الأوسط وإفريقيا تمر حتمًا عبر بوابة العاصمة المصرية.












0 تعليق