فى قلب صحراء سيناء على سفح جبل موسى يقف دير سانت كاترين شامخًا، شاهدًا على آلاف السنين من التاريخ الروحى البشرى، فهو ليس مجرد أثر أو موقع سياحى، بل موضع العهد القديم، حيث كلم الله النبى موسى فى «العليقة المشتعلة» ليتسلم «الوصايا العشر».
اليوم، ومع الأحداث الجارية والأزمات العالمية، يحمل الدير رسائل خالدة تتجاوز الزمان والمكان، لتعبر عن رسالة السلامين الداخلى والخارجى التى تأتى مباشرة من قلب الحياة الرهبانية.
للحديث عن هذه الرؤية الروحية والتاريخية، التقت «الدستور» الأنبا سيميون بابادوبولوس، مطران دير سانت كاترين رئيس أساقفة سيناء وفيران والطور للروم الأرثوذكس، الذى يحكى كيف يمكن للهدوء الروحى والدعاء أن يكونا جسرًا للتفاهم والمحبة فى عالم يعصف به الصراع.
ويستعرض الأنبا سيميون رؤية الدير حول كيفية الحفاظ على الحياة الرهبانية وسط تحديات العصر، وعلاقته بالمجتمع والدولة، ورسالة المكان المقدس للعالم اليوم، معتبرًا أن السلام الحقيقى يبدأ من داخل الإنسان، ومن قدرته على التصالح مع ذاته، وإعادة بناء علاقته بالله.
■ عند توليك رئاسة الدير ما أول قرار اتخذته، وكيف تصف تجربتك الشخصية منذ توليك المسئولية فى ظل تلك الظروف؟
- أول ما يفكر فيه الإنسان هو أن يصلى إلى الله، وأن يسعى للحفاظ على الحياة الرهبانية كما كانت، الآن وفى المستقبل، ثم يأتى التفكير فى الأمور العملية التى تضمن استمرار هذه الحياة، مع الحفاظ على العلاقات المتوازنة مع الجميع.
فالمسئولية الروحية تتطلب أن يكون القلب دائمًا متجذرًا فى الله، وأن تُبنى القرارات على أسس الإيمان والروحانية.
بعد الجانب الروحى يأتى التفكير فى الأمور العملية التى تضمن استمرار الحياة الرهبانية، مثل تنظيم شئون الدير اليومية، ودعم الإخوة الرهبان فى مهامهم، والحفاظ على المرافق والخدمات الأساسية.
كما أن هذا المنصب يتطلب القدرة على إدارة العلاقات مع الجميع، داخل الدير وخارجه، بما يحقق توازنًا بين التقاليد العريقة والانفتاح على المستجدات الضرورية للحفاظ على وحدة المجتمع الرهبانى واستمرارية رسالته.
■ أشرت إلى البعدين التاريخى والروحى المرتبطين بالعهدين القديم والجديد.. كيف يمكن فهم هذا الترابط فى سياق رسالة الدير؟
- هذا المكان يحمل خصوصية نادرة، لأنه يجمع فى داخله امتدادين أساسيين فى تاريخ الإيمان. فمن جهة، هو مرتبط بالعهد القديم، حيث تجلّى الله للإنسان، ومن جهة أخرى، هو يمهّد لفهم العهد الجديد الذى يكتمل فيه مشروع الخلاص.
لكن الأهم من هذا الترابط التاريخى هو المعنى الروحى العميق الذى يجمع بينهما. فالعهدان، رغم اختلاف مراحلهما، يتجهان نحو هدف واحد، وهو خلاص الإنسان. وهذا الخلاص لا يتحقق بشكل خارجى أى شكلى، بل يبدأ من الداخل، عندما يكتشف الإنسان حضور الله فى حياته، ويختبره كإله سلام ومحبة.
وهنا يمكننا أن نرى نوعًا من الوحدة بين الأماكن المقدسة، حيث ترتبط سيناء، بما شهدته من أحداث، بالقدس، حيث تمّ تحقيق الوعد الإلهى. هذه الوحدة ليست جغرافية فقط، بل هى روحية، تعكس مسيرة واحدة تمتد عبر التاريخ.
ومع ذلك، تبقى المفارقة قائمة، إذ إن هذه الأماكن التى تحمل رسالة السلام هى نفسها التى تشهد توترات وصراعات. وهذا يدفعنا إلى فهم أعمق بأن النعمة لا تلغى التحديات، بل قد تجعلها أكثر وضوحًا، وأن السلام الحقيقى يحتاج إلى جهاد مستمر للحفاظ عليه.
■ هناك من يرى فى الدير نقطة التقاء بين أتباع الديانات الثلاث.. كيف تنظر إلى هذا الطرح؟
- ربما يكون من الأفضل تجنّب تعبير «اتحاد الأديان»، لأنه قد يُفهم بطريقة غير دقيقة، بل هو موضع اهتمام مشترك للديانات الثلاث، فهذا المكان يشكّل مساحة يلتقى فيها الاهتمام الروحى لمختلف التقاليد الدينية، فهو مرتبط بالعهد القديم، الذى يشكّل أساسًا فى الإيمان اليهودى، كما أنه يمثّل مرحلة تمهيدية لفهم العهد الجديد فى المسيحية، المرتبط بالسيد المسيح، وفى الوقت نفسه يحظى هذا المكان باحترام كبير لدى المسلمين، الذين يرون فيه موقعًا ذا قيمة دينية خاصة، خاصة أنه يتناول هذه الأماكن والشخصيات مثل موسى، ما يجعل للمسلمين اهتمامًا كبيرًا بالمكان، خاصة موقع العليقة المقدسة، ولهذا نلاحظ اهتمام المسلمين رسميًا وشعبيًا بالصلاة فى هذا الموضع.
ما يحدث هنا ليس اندماجًا عقائديًا، بل هو نوع من التقاطع فى التقدير والاهتمام، وهذا بحد ذاته يحمل رسالة مهمة، وهى أن الاختلاف لا يمنع الاحترام، وأن المقدّس يمكن أن يكون جسرًا للتلاقى بدل أن يكون سببًا للانقسام.
■ فى ظل الأحداث الجارية والأزمات العالمية.. ما الرسالة التى يود الدير توجيهها للعالم اليوم؟
- الرسائل التى يقدّمها الدير اليوم ليست مرتبطة بشخصى، بل بقدسية المكان، وهى رسائل خالدة عبر الزمن. فهذا المكان هو موضع العهد القديم، وموضع تجلى الله، حيث كلّم الله النبى موسى فى العليقة المشتعلة «الوادى المقدس»، وهو الجبل المقدس الذى تسلّم فيه الوصايا العشر.
فالرسالة الأساسية التى يطلبها الله من الإنسان، خاصة كما وردت فى العهدين القديم والجديد، هى أن يعيش الإنسان فى سلام ومحبة.
وفى ظل المآسى والحروب التى نشهدها اليوم، فإن الرسالة الأهم هى الدعوة إلى المحبة والسلام، ليس فقط السلام الخارجى بين الدول، بل السلام الداخلى داخل الإنسان نفسه. فحتى فى غياب الحروب، فإن الاضطراب الداخلى يمنع الإنسان من اختبار السلام الحقيقى، فخلاص الإنسان يتحقق عندما يجد الله إله السلام داخل قلبه.
والعالم اليوم يحتاج إلى إدراك أن السلام يبدأ من الداخل، من قدرة الإنسان على التسامح مع ذاته ومع الآخرين، ومن إعادة بناء علاقته بالله. الإنسان الذى يجد هذا السلام فى داخله يصبح قادرًا على أن يكون جسرًا للتفاهم والتعايش فى مجتمعه وفى العالم.
إذا أردنا أن نفهم رسالة الدير، يجب أولًا أن نخرج من النظرة السطحية التى تراه مجرد مكان أثرى أو سياحى. هذا المكان هو فى جوهره امتداد حىّ لتاريخ طويل من العلاقة بين الله والإنسان. هو مكان يرتبط بالعهد القديم، ومسرح لتجليات إلهية عميقة، حيث اختبر الإنسان حضور الله بطريقة مباشرة.
لكن الرسالة التى يقدّمها اليوم لا تقف عند الماضى، بل تتجه إلى الحاضر بقوة. ففى عالم يعيش توترات وصراعات متزايدة، يقدم الدير دعوة واضحة إلى السلام. غير أن هذا السلام لا يمكن اختزاله فى وقف الحروب أو غياب النزاعات، لأن التجربة الإنسانية تُظهر أن الإنسان قد يعيش فى بيئة خالية من الحرب، ومع ذلك يكون فاقدًا للسلام فى داخله.
■ وماذا عن واقع الحرية الدينية فى مصر كما ترونه اليوم؟
- من الناحية القانونية، هناك إطار واضح يضمن الحريات الدينية، ويشكّل هذا الإطار أساسًا مهمًا لحماية الحقوق الروحية للمواطنين، وممارسة الشعائر الدينية بحرية. ونرى ذلك واضحًا فى نصوص الدستور المصرى التى تؤكد احترام الحريات الدينية، وهو ما يعكس التزام الدولة بضمان بيئة آمنة لجميع الأديان. كما نلمس فى القيادة الحالية، برئاسة الرئيس عبدالفتاح السيسى، تقديرًا واحترامًا متواصلًا للآخر، سواء من حيث الأديان أو حقوق الإنسان بشكل عام، وهو ما يعزز وجودنا ويمنحنا شعورًا بالأمل والثقة فى استمرار التعايش السلمى.
لكن، كما هو الحال فى أى مكان فى العالم، لا يخلو الأمر من بعض التحديات، وهذا أمر طبيعى.
أما على المستوى العملى، فإن هناك مظاهر إيجابية واضحة تعكس وجود قدر من التعايش والاحترام بين مختلف مكونات المجتمع، فكل الممارسات العملية تؤكد أن المبادئ القانونية ليست مجرد نصوص على الورق، بل لها أثر ملموس فى حياة الناس اليومية.
ومع ذلك، كما هو الحال فى أى مجتمع حول العالم، لا يخلو الواقع من بعض التحديات والصعوبات التى تتطلب اليقظة والمرونة والتعاون المستمر بين الجميع فوجود هذه التحديات أمر طبيعى.
■ كيف تنظر إلى مشروع تطوير منطقة سانت كاترين؟ وما الذى يشكّل مصدر القلق أو الأمل بالنسبة لكم؟
- الحياة الرهبانية تقوم أساسًا على الهدوء والعزلة، لكننا ندرك فى الوقت نفسه أن الدولة ترى فى المنطقة ثروة كبيرة وتسعى لتنشيط السياحة، فإن جبل سيناء كنز كبير أكبر من أهرامات الجيزة والغردقة والإسكندرية، ودير سانت كاترين لا يعترض على المشروع أو يرفضه.
فنحن لا نرفض ذلك، لكن بشرط وجود ضوابط واضحة تضمن استمرار الحياة الرهبانية دون إزعاج، من خلال تنظيم الزيارات واحترام خصوصية الدير.
فمن الطبيعى أن تسعى الدولة إلى تطوير هذه المنطقة، نظرًا لما تحمله من أهمية دينية وسياحية على حد سواء. هذا التوجه يمكن فهمه فى إطار الرغبة فى إبراز هذا التراث للعالم.
لكن فى الوقت نفسه، هناك مسئولية كبيرة فى الحفاظ على هوية المكان. فالدير ليس مجرد موقع يمكن التعامل معه كأى مقصد سياحى، بل هو فضاء حىّ للصلاة والصمت.
التحدى يكمن فى إيجاد توازن دقيق بين هذين البعدين، بحيث يمكن استقبال الزوار والتعريف بالمكان، دون أن يؤدى ذلك إلى فقدان طابعه الروحى. إذا تحقق هذا التوازن، يمكن أن يتحول المشروع إلى فرصة حقيقية، أما إذا اختل، فقد يؤثر ذلك على جوهر الحياة الرهبانية.
■ كيف تصفون علاقتكم بالدولة المصرية؟
- علاقتنا تقوم على ما يوصى به الإنجيل «الكتاب المقدس»، أى احترام السلطات، وكما قال الرسول بولس: يجب على الإنسان أن يخضع للسلطات الحاكمة.
لكن إذا تعارضت أوامر السلطة مع وصايا الله، فهنا يرفض الإنسان ذلك داخليًا وبسلام، وبشكل عام نحن نعيش منذ سنوات طويلة فى علاقة طيبة مع الدولة المصرية، قائمة على الاحترام المتبادل، ونسعى دائمًا لحل أى مشكلات بالحوار والسلام.
فالعلاقة تقوم على مبدأ واضح، وهو الاحترام المتبادل. نحن نسترشد بتعليم روحى يدعونا إلى احترام السلطات والعمل من أجل الخير العام، وهذا ما نحاول أن نعيشه عمليًا.
خلال السنوات الماضية كانت هناك تجربة إيجابية فى هذا المجال، حيث لم نواجه ما يتعارض مع إيماننا، بل وجدنا مساحة للتعاون والتفاهم، وهذا أمر مهم، لأنه يتيح لنا أن نعيش رسالتنا بحرية ومسئولية.
وعندما تظهر بعض التحديات فإننا نلجأ إلى الحوار، لأننا نؤمن بأن الحلول الحقيقية لا تأتى من المواجهة أو التوتر، بل من الفهم المتبادل والسعى المشترك نحو الخير.
■ كيف يتم الحفاظ على مخطوطات الدير وكنوزه؟
- نسعى من خلال الحوار للحفاظ على التوازن، وتضم مكتبة الدير واحدة من أهم المكتبات فى العالم من حيث المخطوطات، وربما تأتى فى المرتبة الثانية بعد مكتبة الفاتيكان، بل قد تكون الأولى من حيث القيمة، نظرًا للحفاظ على مقتنياتها عبر العصور المختلفة.
كما يحتوى الدير على مجموعة نادرة من الأيقونات، بعضها يعود إلى القرن السادس الميلادى، وقد ساعد مناخ المنطقة فى الحفاظ عليها.
فالحفاظ على المخطوطات والوثائق القديمة فى دير سانت كاترين يُعتبر أولوية قصوى، لأنها تمثل جزءًا من التراث العالمى والكنزى فى آن واحد. الدير يمتلك مكتبة فريدة تحتوى على آلاف المخطوطات، بعضُها يعود لقرون عديدة، وتوثّق مراحل مهمة من التاريخين الدينى والحضارى.
ما الرسالة التى تود توجيهها إلى العالم اليوم؟
- أتمنى من قلبى أن يسود سلام الله فى قلوب جميع البشر، خاصة القادة الذين بيدهم قرار الحرب، لكن الأهم هو السلام الداخلى، لأن العدو الحقيقى للإنسان هو داخله وهو «الأنا» المريضة، إذا تغلب الإنسان على هذا العدو يزداد الحب والتفاهم ويحل السلام الحقيقى، وهذا هو الدرس الذى يقدمه هذا المكان عبر العصور.
فالعالم اليوم يحتاج أكثر من أى وقت مضى إلى أن يعيد اكتشاف معنى السلام. ليس السلام كشعار سياسى أو هدف خارجى فقط، بل كحالة داخلية يعيشها الإنسان.
فالسلام يبدأ من القلب، من علاقة الإنسان بالله، ومن قدرته على أن يتصالح مع ذاته ومع الآخرين. عندما يتحقق هذا السلام الداخلى، يصبح الإنسان قادرًا على أن يكون أداة سلام فى العالم.
وهنا تكمن رسالة الدير، فى صمته وصلاته، إذ يذكّر الإنسان بأنه رغم كل الضجيج والصراعات، لا يزال بإمكانه أن يجد فى داخله مكانًا للسكينة، وأن يعيش فى محبة، وأن يسهم فى بناء عالم أكثر إنسانية.




