تابعنا فى المقال السابق التغير الكبير الذى طرأ على وضع فرنسا بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية، فعلى الرغم من أن فرنسا تعتبر من الدول المنتصرة فى هذه الحرب، ورغم أنها اقتنصت مقعدًا ضمن الدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن، إلا أن دورها كقوة عظمى بدأ بالتراجع رويدًا رويدًا، لا سيما بعد نجاح ثورة الجزائر، وانتهاء الإمبراطورية الفرنسية فيما وراء البحار، ونهاية عصر الاستعمار.
ومع ذلك ظلت فرنسا تنظر إلى منطقتنا على أنها «الشرق الأدنى»، الشرق القريب لها، والذى تربطها مصالح كبرى به. وتعارض ذلك مع وجهة النظر الأمريكية، التى ورثت المنطقة، وأصبحت تنظر إليه على أنه «الشرق الأوسط»، الأوسط للجميع، بما فيها أمريكا نفسها.
هنا نلاحظ التباعد بين مصالح فرنسا، والمصالح الأمريكية فى المنطقة، وتجلى ذلك فى رعاية فرنسا لمشروع «الشراكة البحرمتوسطية» فى محاولة لضرب مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذى هو فى الأساس مشروع أمريكى للهيمنة على المنطقة، ونتذكر جميعًا رفض فرنسا لما قامت به أمريكا بالتحالف مع بريطانيا فى غزو العراق عام ٢٠٠٣، حيث أدركت فرنسا مبكرًا أن هذه الحرب تعنى فى نهاية الأمر تزايد الدور الأمريكى فى المنطقة، والمزيد من انحسار الدور الفرنسى.
وعملت فرنسا على استثمار تاريخها الثقافى والتعليمى فى مشاريع بالمنطقة، كما نجحت فى عقد العديد من صفقات التسليح، سواء مع مصر أو دول الخليج العربى، هذه الدول التى لجأت إلى سياسة تنويع السلاح، وعدم الاكتفاء بعقد صفقات السلاح مع الجانب الأمريكى فقط.
أما عن علاقة فرنسا بإيران، فإن هذه العلاقات لها تاريخ مشترك، سواء فى عهد الشاه أو حتى فى عهد الجمهورية الإسلامية، من خلال النفط والاستثمارات الفرنسية، أو حتى توظيف فرنسا لتراثها الثقافى والتعليمى، حيث استقبلت فرنسا، حتى فى بدايات الجمهورية الإسلامية، العديد من البعثات التعليمية الإيرانية فى الجامعات الفرنسية. وهنا لا ينبغى أن ننسى أن الخُمينى فى عام ١٩٧٩، ومع نجاح الثورة فى إيران، هبط بالطائرة من باريس إلى طهران.
لكن فرنسا الآن، مثلها مثل معظم الدول الأوروبية، فى حيرة من أمرها، هى منغمسة حتى أذنيها فى الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث تعتبر فرنسا هذه الحرب، أخطر تهديد تعيشه أوروبا، منذ الحرب العالمية الثانية، وعانت فرنسا اقتصاديًا من جراء هذه الحرب. والآن تجد فرنسا نفسها مهمومة بحرب أخرى، الحرب الإيرانية- الأمريكية الإسرائيلية، هذه الحرب التى تهدد مصالح فرنسا فى «شرقها القريب» الشرق الأدنى! وهذه المرة تجد فرنسا نفسها عاجزة عن فعل شىء إيجابى، تجاه هذه الحرب. منذ البداية رفضت فرنسا هذه الحرب، ورأت أنها تتم خارج إطار القانون الدولى، مع تأكيدها على ضرورة تقليص قدرات إيران النووية، ومنعها من حيازة السلاح النووى. ولكن ترى فرنسا أن هذا الأمر يجب أن يتم من خلال الشرعية الدولية، وبالطرق الدبلوماسية. من هنا سخرية الرئيس ترامب من الرئيس الفرنسى ماكرون وتصريحاته فى هذا الشأن، والتسفيه من ماكرون، وتذكيره أن الانتخابات الفرنسية ستُجرى فى العام المقبل، حيث لن يكون هناك ماكرون، بل وربما يصل إلى الحكم أقصى اليمين، وهو الخيار الذى يفضله ترامب.
وتعانى فرنسا داخليًا من مشاكل جمّة، من ارتفاع نسبة التضخم الاقتصادى، ومشكلة أسعار الطاقة، وصعود اليمين المتطرف، واليسار المتطرف، وعجز ماكرون، فى عامه الأخير عن اتخاذ خطوات جريئة، ولذلك لا يملك ماكرون إلا إصدار التصريحات، حول ضرورة إنهاء الحرب والعودة إلى الدبلوماسية كما وضح لحلفاء فرنسا، سواء دول الخليج أو حتى لبنان، مدى هشاشة الدور الفرنسى، والعجز عن تقديم دعم حقيقى للحلفاء. وتنزعج فرنسا بشدة من تنامى الدور التركى فى المنطقة، ومعلوم طبيعة الخلاف التركى- الفرنسى، كما ترتاب فرنسا فى الوساطة الباكستانية بين إيران وأمريكا، ومعروف طبيعة علاقة باكستان بأمريكا.
خلاصة القول تتخوف فرنسا من أن تفقد مكانتها التاريخية فى المنطقة بعد الحرب لصالح قوى أخرى، سواء كانت قوى إقليمية أو دولية.

















0 تعليق