تحدث الناقد الدكتور محمود عبد الباري عن المحددات التي تجعل النص الأدبي ممكنًا للقراءة، وذلك في منتدى "أوراق" بجريدة (حرف) الثقافية، بمؤسسة الدستور الصحفية، وهي الندوة التي تأتي تحت عنوان (أسئلة النقد.. أسئلة المستقبل)، ويقدمها الكاتب والناقد الدكتور يسري عبد الله، ويشارك فيها الناقد الدكتور هيثم الحاج علي، والدكتور محمود عبد الباري.
منتدى أوراق بجريدة الدستور
وقال الدكتور محمود عبد الباري: "نتحدث اليوم عن المحددات التي كانت تجعل النص ممكنًا وقابلًا للوصول إلى المتلقي، بمعنى آخر، إن القيود التي كانت تُفرض على المبدع لم تعد موجودة، بمعنى أنه أصبح لكل شخص إمكانية أن يبدع ويرسل إبداعه لينشره في أي مكان.
ويضيف الدكتور محمود عبد الباري: "حتى إنتاج المقاطع المصورة أصبح آنيًا، وبإمكان أي شخص داخل بيته أن ينشئ موقعًا ويرسل ما يصوره. عملية النقد باتت خاضعة للمتلقي الذي يتلقى مباشرة، والتقييم لم يعد مستندًا إلى معايير من الناحية الفنية، وإنما من الناحية الإحصائية، أي عدد المشاهدات".
ويواصل: "من ناحية أخرى، أصبحت عملية التقييم، كما قال الدكتور هيثم، أشبه ما تكون بتقييم لمنتج شعبي، حيث يقوم المتلقي بعملية التقييم آنيًا. وعلى مستوى الإنتاج الروائي، أصبح هناك مصطلح "النص الرائج"، وهو لا يحتكم إلى معايير فنية، بل إلى عدد المبيعات، بغض النظر عن الشروط الفنية أو البنى الجمالية. كل هذه الأمور تجعلنا أمام تساؤل: هل يمكن في هذه الطفرة أن تعود للناقد سلطته التي كان يمارسها من قبل؟ وهل يمكن أن يعود له دوره؟ وإلى أي مدى يمكن للنقد داخل أسوار المؤسسة الأكاديمية أن يكون قادرًا على الخروج إلى خارج المؤسسة وممارسة دوره الفاعل من خلال الجمهور؟".
ويستطرد: "هل يمكن أن يكتسب النقد أرضًا خارج تلك الأسوار، وأن يسحب البساط مرة أخرى كما كان من ذي قبل؟ وهل يمكن أن يصبح النقد الذي لا يعتمد على أي معايير بديلًا عن كل المناهج النقدية الملتزمة بضوابط معينة ورؤى فلسفية محددة؟ وإلى أي مدى يظل هؤلاء النقاد الذين يتبعون المناهج الأدبية مثل السيميائية والبنيوية والتفكيكية وغيرها ملتزمين بما يكتبون؟".
الدكتور محمود عبد الباري
ويواصل: "سؤال آخر، هل يمكن أن نذهب مع انفتاح النص ولا نهائية الدلالات والمعنى؟ هل أدت تلك التصورات أهدافًا أو قيمًا يمكن أن تضيف للنقد الأدبي؟ أعتقد – في تصوري – أن ريدو كان محقًا حين قال إن هناك مستويين للقراءة في النصوص: القراءة الاستهلاكية التي لا تتغير فيها سوى الحبكة، وهذه هي قراءة عامة الناس، والقراءة النموذجية التي تفترض قارئًا واعيًا يعي استراتيجيات النص ويتتبع المكتوب، وله أدوات يفهم بها ويعيه".
وأضاف أن القارئ النموذجي دوره هنا هو إكمال الفراغات التي تركها منشئ النص عمدًا، حتى يقوم القارئ بإكمالها.
ويختتم: "القارئ النموذجي هو الذي يمنح هذا النص الكثير، لأن النص بطريقة ما لا يقول كل شيء، ويطلب من القارئ أن يشاركه، وهو الذي يمنح النص الاستمرارية. وهذا التصور في القراءة يجعلنا نتعامل مع معلقة امرئ القيس كما نتعامل مع نصوص أحمد مراد ومحمود درويش، لأن كلا منهما يفترض في المتلقي أنه محتشد بعدد من الأدوات والمعارف التي تمكنه من فك الشفرات الموجودة في النص، وكل منهما يقدم النص على مستويين: استهلاكي، وآخر يفترض في القارئ أنه لديه القدرة على الوصول إلى المعنى".








0 تعليق