في أجواء استثنائية، يحيي اللاتين في المدينة المقدسة اليوم رتبة خميس العهد، وسط واقعٍ مثقل بالحرب والتوتر، وفي عظته، قدّم بطريرك اللاتين في القدس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا تأملًا لاهوتيًا عميقًا في معنى هذا اليوم، رابطًا بين الألم الحاضر ورجاء القيامة.
نعيش هنا كما لو كنا في رحم سلام بينما العالم من حولنا يتمزق
وقال البطريرك في عظة القداس، نحن اليوم في المكان الذي وُضع فيه حجرٌ ليختم الموت، ومع ذلك نجتمع لنحتفل بالحياة، هناك توتر لا يمكن تجاهله: في الخارج، أبواب كنيسة القيامة موصدة، وقد حوّلت الحرب هذا المكان إلى ملجأ، إلى "داخل" معزول عن "خارج" مثقل بالخوف والضيق، نعيش هنا كما لو كنا في رحم سلام، بينما العالم من حولنا يتمزق، وكم نتمنى لو نستطيع تغيير هذا الواقع، ومع ذلك، هنا والآن، تضع كلمة الله أمامنا علامة تقلب طرق تفكيرنا البشرية رأسًا على عقب.
وتابع: في التقليد الكتابي، شدّ الحزام هو علامة الاستعداد للانطلاق، للعبور من العبودية إلى الحرية، هكذا أكل بنو إسرائيل الفصح، مستعدين للخروج، كان الحزام علامة قرب العبور، أما يسوع، ففي ساعة رحيله، يشدّ حزامه لا ليرحل، بل لينحني.
وأوضح: هنا تكمن المفارقة الأولى: يسوع يحوّل بادرة المُغادر إلى بادرة الخادم. في منطق الله، لا يكون الخروج هروبًا من العالم، بل نزولًا إليه، إلى أعماقه. لم تعد الخصر المشدودة علامة الهارب، بل علامة من يُخضع ذاته بمحبة.
لا يُختزل غسل الأقدام في درسٍ أخلاقي أو مشهد مؤثر
وأضاف ،من هنا، لا يُختزل غسل الأقدام في درسٍ أخلاقي أو مشهد مؤثر، بل هو التعبير الملموس عن فصح يسوع، عن الطريقة التي يدخل بها الله إلى التاريخ، والتي تختار بها المحبة أن تسكن العالم.يمكنك أن تتبعني وتدافع عني، لكن إن لم تقبل هذا النهج في المحبة، فلن تدخل في طريقي.
وتابع: هنا تكمن النقطة الحاسمة: الفصح ليس حدثًا يفعله المسيح لأجلنا فقط، بل مسيرة ندخلها معه. ولا شركة معه من دون تبني طريقه، طريق المحبة المتواضعة. ولا نصيب حقيقي من دون أن نسمح لأنفسنا بأن نُخدَم.
غالبًا ما نرغب، مثل بطرس، في تحديد شروط الحب: نريده خلاصًا لا يلامس ضعفنا، وغفرانًا لا يكشف فقرنا. لكن المسيح يبيّن أن الحب الحقيقي ينزل، يلمس، ويكشف ذاته.
أن نسمح لأنفسنا بأن نُحَب حتى النهاية
هذا هو التحدي المطروح علينا اليوم: أن نسمح لأنفسنا بأن نُحَب حتى النهاية، أن ندع المسيح ينحني حيث نشعر بالخزي، وأن يدخل إلى فقرنا وتناقضاتنا وخطايانا. بهذه الطريقة فقط نصير شركاء حقيقيين معه.
إن الجسد الذي نتناوله في العشاء الرباني هو ذاته الجسد الذي ينحني ليغسل الأقدام. لا يمكن فصل سرّ القربان عن هذا الفعل؛ فهما تعبيران عن حب واحد. وإذا فُصلا، فقدا معناهما، لذلك، نحن مدعوون لا إلى السجود فقط، بل إلى عيش حياة معه. أن نكون جزءًا منه يعني أن نقبل أن تنجذب حياتنا إلى صميم حياته.
إن كانت إجابتنا نعم، فإن خروجًا جديدًا يبدأ لنا أيضًا: خروج لا يُبعدنا عن الواقع، بل يقودنا إليه بنظرة جديدة—من الدفاع عن الذات إلى بذلها، من الخوف إلى الثقة، ومن الكبرياء إلى الشركة.
















0 تعليق