ليس كل ما يُبنى يُرى، وليس كل ما يُرى يُحس.
تلك هي المعضلة التي تقع في قلب التجارب التنموية الكبرى، حين تمضي الدولة بخطى سريعة في تشييد الطرق، وإقامة المدن، وتوسيع شبكات الخدمات، بينما يقف المواطن- موضعه اليومي- متسائلًا، لا عن حجم ما أُنجز، بل عن نصيبه منه، وهنا، لا يكون السؤال إنكاريًا بقدر ما هو وجودي: لماذا لم أشعر بكل هذا البناء؟
في مصر، خلال السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة المشروعات بصورة غير مسبوقة، في ظل رؤية تبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي، تقوم على إعادة تشكيل البنية الأساسية للدولة، باعتبارها شرطًا لازمًا لأي نهضة مستدامة، وقد بدا واضحًا أن الدولة اختارت أن تتحرك في أكثر من اتجاه في وقت واحد، مستهدفةً تجاوز فجوات تاريخية تراكمت لعقود، من تهالك البنية التحتية إلى ضعف كفاءة الخدمات، غير أن هذا التحرك الكثيف، على أهميته، لم يُترجم دائمًا إلى إحساس مباشر لدى قطاعات واسعة من المواطنين، وهو ما يستدعي قراءة أعمق من مجرد الإشادة أو الانتقاد.
فالإنجاز، في جوهره، ليس فقط ما يتحقق على الأرض، بل ما ينعكس في وعي الناس وشعورهم، وقد علمتنا تجارب الأمم أن الفجوة بين “الإنجاز” و“الإدراك” قد تكون أحيانًا أوسع من الفجوة بين “التخطيط” و“التنفيذ”، ذلك أن المواطن لا يقيس السياسات بلغة الأرقام المجردة، ولا يقرأ المؤشرات الاقتصادية بمعزل عن حياته اليومية، بل يُخضع كل ذلك لمعيار بسيط ومباشر: هل تحسن واقعه المعيشي؟ هل أصبح الغد أكثر وضوحًا من اليوم؟
وهنا تتقاطع عدة عوامل معقدة، لا يمكن اختزالها في سبب واحد، فمن ناحية، تٌفرض طبيعة بعض المشروعات القومية نفسها، حيث يكون عائدها طويل الأجل، غير قابل للقياس الفوري في حياة الأفراد، فالطرق، على سبيل المثال، لا تُبنى فقط لتسهيل حركة اليوم، بل لتمكين الاقتصاد غدًا، وجذب استثمارات بعد سنوات، وهو ما يجعل أثرها غير مباشر في المدى القريب.
غير أن هذا المنطق- على صحته -لا يكفي وحده لردم الفجوة، لأن الزمن الاجتماعي، الذي يعيشه المواطن، لا ينتظر طويلًا حتى تكتمل الدورات الاقتصادية.
ومن ناحية أخرى، تلعب الضغوط الاقتصادية دورًا حاسمًا في تشكيل الإدراك العام، فحين تتآكل القدرة الشرائية، وتتصاعد تكاليف المعيشة، يصبح من الصعب على الفرد أن يرى ما وراء أفقه القريب، أو أن يُقدّر إنجازًا لا يخفف عبء يومه، وهنا، لا يكون غياب الإحساس بالإنجاز إنكارًا له، بل نتيجة طبيعية لتزاحم الأولويات، حيث تتقدم الضرورات على التقييمات المجردة.
غير أن العامل الأكثر حساسية، وربما الأقل تناولًا، يتمثل في مسألة “توزيع الأثر”، فليس كل ما يُنجز يصل بالقدر نفسه إلى كل الفئات، ولا تتساوى المجتمعات في قدرتها على الاستفادة من الفرص الجديدة، وقد أظهرت دراسات التنمية أن الشعور بالعدالة لا يتشكل فقط من حجم ما يُقدَّم، بل من كيفية توزيعه، ومن إحساس الأفراد بأنهم شركاء في العائد، لا مجرد متلقين له، فإذا اختل هذا التوازن، نشأت فجوة صامتة، قد لا تُرى في التقارير، لكنها تُحس في الوجدان.
كما لا يمكن إغفال دور الخطاب العام في تشكيل الوعي بالإنجاز، فالمعلومة، مهما كانت دقيقة، تفقد أثرها إذا لم تُقدَّم في سياق يُقنع المتلقي، ويُخاطب عقله وخبرته معًا، وفي عالم تتسارع فيه تدفقات المعلومات، وتتشابك فيه الروايات، لم يعد كافيًا أن يتحقق الإنجاز، بل أصبح من الضروري أن يُشرح، ويُفسر، ويُربط بحياة الناس بصورة واضحة، فغياب هذا الجسر المعرفي يترك المجال لتفسيرات بديلة، قد تكون أبسط، لكنها أكثر تأثيرًا.
إن طرح هذا السؤال - لماذا لم يشعر المواطن بكل هذا البناء؟ - لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تشكيكًا في الجهد، ولا تقليلًا من قيمة ما تحقق، بل هو في جوهره دعوة لإعادة النظر في العلاقة بين “الفعل” و“الأثر”، بين “الإنجاز” و“الإحساس به”، فالدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور، بل بما تبنيه من ثقة، وبما تخلقه من شعور عام بأن ما يحدث ليس مجرد حركة في المجال العام، بل تحسن حقيقي في المجال الخاص لكل فرد.
ولعل التحدي الأكبر، في هذا السياق، لا يكمن في الاستمرار في البناء فحسب، بل في القدرة على جعل هذا البناء مرئيًا في حياة الناس، محسوسًا في تفاصيل يومهم، ومفهومًا في وعيهم، فحين يلتقي الإنجاز بالإدراك، تتحول التنمية من مشروع دولة إلى حالة مجتمع، ومن أرقام في تقارير إلى يقين في النفوس.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق أن الشعوب لا تعارض التغيير، لكنها تحتاج أن ترى نفسها فيه، وتحتاج أن تشعر أن ما يُبنى ليس فقط حولها، بل من أجلها، ومعها.
وعند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود السؤال: ماذا أنجزنا؟ بل يصبح: كيف جعلنا ما أنجزناه حياةً تُعاش، لا مجرد واقعٍ يُروى؟




