لم يكن القبض على الإرهابى على ونيس مجرد خبر عادى فى شريط المواجهة الطويلة مع التنظيمات المسلحة، بل كان بمثابة «مفتاح» فتح صندوقًا أسود ظل مغلقًا لسنوات، كشف أن حركة «حسم» الإرهابية ماتت موتًا إكلينيًا فقط، ولكنها حاولت بمساعدة آخرين إنعاشها عبر إعادت إنتاج نفسها، مرة بالسلاح، ومرة بالكلمة، ومرة باسم جديد يخفى نفس الفكرة.
الحكاية هنا لا تتعلق بتنظيم واحد، بل بشبكة كاملة من الأذرع المتناسلة، فكلما سقط تنظيمًا، يخرج من عباءته اثنان، ثم أربعة، ثم عشرات الكيانات الصغيرة التى تحمل نفس الجينات، ونفس الفكر، ونفس القيادات، ونفس الهدف، بينما تختلف اللافتة فقط.
على مدار عقد كامل، كانت «حسم» العنوان الأبرز لما يمكن تسميته الإرهاب الذكى، عبر نظيم لا يعتمد فقط على السلاح، بل على التخطيط، والرصد، والاختراق، وعمليات نوعية، واستهدافات دقيقة، ورسائل سياسية مغلفة بالدم.
لكن الضربات الأمنية المتتالية لم تترك للتنظيم رفاهية الاستمرار بنفس الشكل، وهنا بدأ التحول الأخطر، فلم تختف «حسم»، لكنها تحولت وغيرت اسمها بعدة أسماء أخرى ولكن أبقت على نفس الفكر الدموى الإرهابى.
القيادات نفسها التى أدارت العمليات الإرهابية وهم يحيى موسى، وعلاء السماحى، محمد عبدالحفيظ، ومحمد مناع، وعلى عبدالونيس المقبوض عليهم صباح اليوم، وغيرهم، لم يختفوا من المشهد، بل أعادوا التموضع، وخرجوا من الداخل إلى الخارج، ومن الميدان إلى غرف الإدارة، ومن السلاح إلى أدوات أكثر هدوءًا، ولكنها أكثر خطورة.
لم يعد خافيًا أن جزءًا من هذا النشاط انتقل إلى الخارج، وتحديدًا إلى مدن مثل إسطنبول، التى تحولت لسنوات إلى نقطة ارتكاز لإدارة ملفات التنظيم، سواء على المستوى الإعلامى أو التنظيمى.
هناك، لم يعد الهدف تنفيذ عملية مسلحة فقط، بل إدارة الفوضى، ونشر الشائعات، وتحريك الرأى العام، خلق حالة من الارتباك المستمر عبر نشر الأخبار المضللة، فلم يعد المطلوب إسقاط هدف أمنى، بل إرباك الدولة.
ومن هنا خرجت النسخة الجديدة من «حسم».. تحت اسم مختلف: «ميدان» التى لم تكن مجرد اسم جديد، بل كانت تعبيرًا عن تحول فى الفكر والأداة، فالتنظيم الذى فشل فى المواجهة المباشرة، قرر أن يخوض معركة من نوع آخر عبر معركة الوعى، فلم يعتمد على العبوات الناسفة، ولكنه ارتكن أيضًا إلى البوست، ولم يكنف بالاغتيالات فقط ولكنه بحث عن التريند، ولم تكن طلقاته رصاص فقط بل شائعة يربك بها الدولة، فالهدف واحد وهو خلق حالة من الفوضى، وزعزعة الثقة، وإنهاك الدولة من الداخل.
غيرت حركة حسم اسمها فقط خلال العام الماضى لتعود من جديد عبر تنظيمات متناسلة، فمن حركة ميدان للإرهابى يحيى موسى إلى جيل زد التى أسسها الإرهابى أنس حبيب، الذى حاول غلق سفارات مصر فى بعض الدول الأوروبية صيف 2025 بأوامر من التنظيم الدولى ويحيى موسى، وصولًا إلى ثورة الثعالب، ثورة المفاصل التى دعا إليها من الولايات المتحدة الأمريكية الإخوانى خالد السرتى، ظهرت تلك الحركات لتتكشف الصورة الحقيقية أن الإرهاب لم يتوقف عند حسم ومن بعدها حركة «ميدان».
وكأى تنظيم يتقن فن البقاء، بدأت تظهر نسخ أصغر كيانات تحمل أسماء مختلفة من الحركان التى تظهر وتختفى، لكنها تتحرك وفق نفس الإيقاع.
هذه الكيانات لا تحتاج إلى هيكل تنظيمى ضخم، ولا إلى معسكرات تدريب. يكفيها هاتف محمول، وشبكة إنترنت، وخطاب محرض يعيد تدوير نفس الأفكار القديمة فى قالب جديد.
الأخطر هنا أن هذه التنظيمات تستهدف جيلًا مختلفًا، لم يعاصر لحظة الصدام الأولى، ولم ير الدم بنفسه، لكنه يتلقى الرواية عبر شاشة مشوهة، مجتزأة، ومصممة بعناية.
التحول الذى شهدته حسم وأخواتها ليس مجرد تغيير فى الوسيلة، بل فى العقلية، فالتنظيم أدرك أن كلفة الرصاصة أصبحت عالية، وأن الضربات الأمنية قادرة على تفكيك الخلايا المسلحة، فاختار سلاحًا أقل تكلفة، وأكثر انتشارًا وأكبر تأثيرًا.
من هنا، أصبحت المعركة الحقيقية ليست فى الشارع فقط، بل على الهاتف، ويست فى الكمائن، بل فى التايم لاين، وليست فى المواجهة المباشرة، بل فى تشكيل الوعى.
وهنا تأتى أهمية القبض على على ونيس، فهو لم يكن مجرد منفذ عمليات، بل حلقة وصل بين مرحلتين، مرحلة الإرهاب المسلح، ومرحلة الإرهاب الشبكى.
لا تكشف اعترافات ونيس عن 8 عمليات أودت بحياة 28 شهيدًا وأصابت 69 آخرين، بل تكشف عن العقل الذى يدير المشهد، وعن القيادات التى تحرك الخيوط من الخارج، وعن الشبكات التى ما زالت تعمل فى الظل.
الأهم، أنها تؤكد أن الصراع داخل هذه التنظيمات ليس صراع أفكار، بل صراع سلطة، وصراع على النفوذ، وعلى التمويل، وعلى من يملك القرار، وليس صراعًا على الدين كما تروج قيادات الجماعة الإرهابية.
يخطئ من يعتقد أن حركة حسم قد انتهت بالفحص على أحد مؤسسيها، فأخوات حسم ما زالوا يتربصون بلحظة الانقضاض وفق أدبياتهم، فحركة حسم لم تعتمد على شكل واحد، لعلم قياداتها أنها إن سقطت كتنظيم مسلح، ستعود كمنصة إعلامية، وإن حوصرت أمنيًا، ستتحول إلى شبكة إلكترونية، وإن فقدت قياداتها، شتنتج وجوها جديدة مشوهة فكريًا، فمنذ أدبيات سيد قطب مؤسس الحاكمية والجاهلية فى ستينيات القرن الماضى سار أتباعه أمثال مصطفى مشهور، ومحمود عزت وصولًا إلى يحيى موسى وعلى ونيس على نهجه فى تأسيس الفكرة قبل أن تكون تنظيمًا، لذلك فإن الفكرة لا تموت بالضربات الأمنية فقط، بل تحتاج إلى مواجهة أعمق فى النواحى الفكرية، والثقافية، والإعلامية.
ما تكشفه تجربة حسم وأخواتها، هو أن المعركة لم تعد فقط مع من يحمل السلاح، بل مع من يصنع الرواية، ومع من يعيد تدوير الأكاذيب، ويغلفها بخطاب عاطفى، ويقدمها لجيل جديد لا يعرف الحقيقة كاملة.
وهنا، يصبح الوعى هو خط الدفاع الأول، والحقيقة هى السلاح الأهم، وإن كان سقوط على ونيس خطوة مهمة، لكنها ليست النهاية، بل هى مجرد صفحة فى كتاب لم يغلق بعد، فحركة حسم لم تختف، بل تغيرت، وأخواتها لم تولد من فراغ، بل من نفس الرحم الإرهابى الذى ينجب أجنة إرهابية.














0 تعليق