الجمعة 30/يناير/2026 - 11:41 م 1/30/2026 11:41:40 PM
حديث الرئيس السيسى فى الاحتفال بعيد الشرطة لم يكن تقليديا وتعدى فعالية الاحتفال ليوثق كثيرا من مواقف الدولة المصرية ويثبت صواب رؤيتها فى ملفات شائكة. هو حديث توثيقى بامتياز..حديث للتاريخ.
(١)
بدأ الرئيس حديثه بالتأكيد على حقيقة أن مصر لا تنسى شهداءها مهما تقادمت عليهم السنوات أو العقود. مصر تحفظ حقوق أبناء وأحفاد الشهداء، ولا تفرق بين شهداء القوات المسلحة أو الشرطة المدنية أو شهداء مواطنيها المدنيين، فكل أبنائها سواء فى التزام دولتهم تجاههم وتجاه أبنائهم. حقيقة يعرفها المصريون، لكن حرص الرئيس على وضعها فى مقدمة خطابه جاء فى نطاق طمأنة مطلوبة، وغلق الباب أمام مزايدات البعض. هذا الوطن يضع المخلصين فى سويداء قلبه مهما تكن مواقعهم الاجتماعية. استعرض الرئيس أمام الشعب المصرى تفاصيل إجراءات الدولة فى سبيل الوفاء بهذا الالتزام.
(٢)
مصر دولة وطنية ودولة مؤسسات، تخوض معاركها بناء على هذه الحقيقة. لا يمكن أن تتحول لدولة مليشيات. الرباط المقدس بينها وبين مواطنيها هو رباط الأرض. رجال مؤسساتها المختلفة هم ثروتها الحقيقية. مرت سنوات الفتنة والضباب على المنطقة لتثبت أن مصر كانت ومازالت على حق. وأن كل الذين حاولوا تغيير هذا الحق ذهبوا بلا رجعة وبقيت حقيقة أن البقاء للدولة الوطنية لا للمليشيات الأيديولوجية أو القبلية.
سألنى أحد غير المصريين منذ فترة عما أقصده بقولى أن مصر مختلفة وأن خطأ العقل الغربى هو فى وضعها فى سلة واحدة مع الجميع الإقليمى المحيط بها. فكان ردى أن الفارق هو أن مصر يمكن أن تخوض حربا دفاعا عن أرض، وتخوضها بمؤسساتها وشعبها، لكنها لا تخوض حربا مذهبية طائفية أو قبلية عشائرية، ولا تخوض حروبها بمليشيات، وترفض رفضا صارما أن تكون لهذه الأفكار موطىء قدم لها على أرض مصر. وهذا ما وثقه الرئيس السيسى فى خطابه. حضارة مصر وشخصيتها التاريخية العريقة قائمة على فكرة التصاق المصريين بأرضهم. لا مجال للعبث مع المصريين أو مساومتهم أو ابتزازهم مقابل شبر من الأرض.
مقولة أن الأرض أرض الله لا تخدع المصريين. لأن الله منح هذه الأرض المصرية لشعبها ولم يجعلها مشاعا للنطيحة والمتردية من المجموعات البشرية التى فرطت فى أرضها ثم باتت تتوهم بحقها فى مناطحة المصريين فى إرثهم وحقهم المشروع. كل من حاول رفع رايات طائفية ومذهبية على أرض مصر لفظته الأرض قبل أن يلفظه المصريون.
(٣)
فى الوقت الذى كان يؤكد فيه الرئيس على هذه الحقيقة، كانت الجماعة المارقة تخوض جولة من جولات خيانتها لمصر، وتتصدر حملة موجهة ضد الدولة المصرية وإجراءاتها المشروعة فى الحفاظ على سيادتها على أرضها. مئات الصفحات نشطت فجأة لتزايد على الإجراءات المصرية وتردد ما يردده بعض الذين آووتهم مصر فلم يصونوا جميلها. جماعة الإخوان جماعة غير مصرية حتى لو حمل أعضاؤها بطاقات هوية مصرية. لا يكترثون بأرض مصر، ويحاولون الضغط عليها لإجبارها على غرس كتل غير مصرية فى نسيجها المصرى القومى.
هى جماعة تكفر بعقيدة الأرض وعقيدة المؤسسات الوطنية وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. يريدون تحويل مصر لأشلاء وطن مثلما فعلوا فى أوطان أخرى. مقعد الحكم عندهم أثمن من الوطن حتى لو كان مقعدا لحكم قرية مقابل التفريط فى الوطن ذاته.
لقد فضح حديث الرئيس إفك الجماعة حين ذكر بصراحة الفوارق بين الجيوش الوطنية التى تصون الأوطان وبين المليشيات التى تمزقها وتفرط فى سيادتها. كما فضح أحدُ الكتاب من دولة مجاورة هذا الإفك، وأنصف مصر والمصريين حين تحدث عن حق مصر فى صيانة أمنها. ذكر هذا الكاتب أنه توقع أن يحدث (الإنفجار المصرى) فى وجه بنى جلدته ممن دخلوا مصر وأكرمت وفادتهم بسبب ممارساتهم المتناقضة مع القيم المصرية.
(٤)
أكد الرئيس مجددا على رؤيته فى حماية حرية الاختيار الدينية للمصريين. هذا التأكيد يتفق مع شخصية مصر التاريخية المعتدلة. مصر دولة متسامحة. والله أعز من أن يُجبر أحدٌ على السير فى طريقه. يجب أن يهرول المؤمنون بالله إليه لا أن يسوقهم أحدٌ إليه. كانت هناك دولٌ يُجبر المواطنون فيها على غلق محالهم وقت الصلاة، فكان بعضهم يصلى بلا وضوء! مرت السنوات وثبت فشل الفكرة وأن طريق الله لا تحدده سياط جنودٍ غلاظ، إنما يقود إليه شوق المحبين.
خليكم بعيد عن الحتة دى... هذه عبارة الرئيس لرجال الدين متحدثا عن فكرة من أحق بالجنة ومن مصيره النار. الله فقط هو من يحدد ويقرر من هم الناجون ومن هم الهالكون. رجال الدين دعاة سلام ومحبة وأخلاق، وحماة لحق الإنسان فى الاختيار. لا وصاية لرجل دين أو مؤسسة دينية على القلوب أو العقول. الدعوة إلى طريق الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولأن يأتى أحدهم إلى الله محبا أفضل. هذه هى مصر الحقيقية وهذه رؤية قيادتها.
(٥)
الدم الحرام هو الخط الفاصل بين مساحة البراح الآمنة بين الإنسان وبين الله. وأيضا بين الإنسان ووطنه. من علامات ذلك أن الله قد يقبل توبة من ينكر وجوده إذا ما رجع إليه، لكنه يؤجل العفو عن مقترف سفك الدم الحرام حتى يتم القصاص منه يوم الحساب لصالح الضحايا. هذا الحرص على صيانة الدماء هو سمة أصيلة من سمات كل من انتمى لهذه المؤسسة المصرية الشريفة. لقد أسعدنى أن يذكر الرئيس السيسى هذا صراحة، لأن الذين استهانوا بدماء المصريين يعتقدون أنهم يستطيعون تزييف التاريخ الذى عاصرناه. إننى أضيف لما قاله الرئيس وأذكر بما شهد به محمد حسان عن وساطته لدى أساطين الجماعة وكيف استخفوا بالدماء حين لوحت لهم شخصية سياسية غربية بطرف إصبعها! استخفوا بدماء المخدوعين من أتباعهم ليلة فض الاعتصامات المسلحة وحرضوهم على البقاء رغم أنهم يخططون لتهريب قياداتهم.
(٦)
مصر دولة شريفة لم تستغل معاناة الشعوب المجاورة، ولم تساوم بهم أو عليهم أو تساومهم، وأكرمتهم رغم ضيق ذات اليد. هذه هى الحقيقة التى أعاد التاكيد عليها رئيس مصر. وحين قال ذلك، فلم يكن من باب المن، إنما للتوثيق والتأريخ والتاكيد على حق مصر الآن فى الدفاع عن مصالح شعبها وتحذير جميع القوى الإقليمية والدولية من محاولة الإصرار على تشريد أكثر من مليونى فلسطينى خارج أرضهم. لم تساوم مصر أحدا واكتفت بمد يد العون، ولا تساوم اليوم، إنما تحذر من عواقب أى محاولة من هذا القبيل وما يمكن أن يترتب عليه من خلخلة فى الإقليم واضطراب فى معدلات الهجرة غير الشرعية تجاه السواحل الأوربية. إذا كانت هذه الدول تحرص على ضبط حدودها، فيجب أن تحرص أيضا على حق الشعب الفلسطينى فى الاستقرار على أرضه.
(٧)
إن أهم ما ورد فى حديث الرئيس السيسى فيما يخص الشأن الداخلى، هو ما ذكره عن المؤسسات المصرية. لقد أنهى الرئيس هذا الوهم الذى مايزال يعتقده البعض منذ مقولة أحدهم منذ أكثر من ربع قرن (كلنا سكرتارية للرئيس). كشف السيسى عن تملك كل المسؤلين فى مصر للصلاحيات اللازمة للعمل وإصلاح مؤسساتهم، وكما قال حرفيا فهو قد أقام الحجة أمام الشعب على كل من يتولى منصبا فى مصر. فلا حجة لأحدهم فى تقصير أو إهمال أو العمل بأيدى مرتعشة بحجة أنه لا صلاحيات لهم. كل مسؤل عن مؤسسة يدرك خبايا مؤسسته وأوجه القصور بها إن وجدت وكيفية تصويبها. هذا يعنى أنه يتوجب على المسؤلين فى مصر أن ينزلوا إلى الشارع المصرى ويعملوا على الأرض فى إطار الدستور والقانون. ومن لا يدرك ما يدور فى مؤسسته المسؤل عنها عليه أن يغادر موقعه. هل هناك صراحة أكثر من ذلك لكى يراجع كل مسؤل فى مصر مدى جدارته بتولى موقعه وأن يتحلى من يدرك ضعف هذه الجدارة بالشجاعة ويتقدم باستقالته؟! تستحق مصر من الجميع أن يكون على هذا القدر من الشجاعة. من فشل أو عجز عليه المغادرة.
(٨)
حماية أطفال مصر مسؤلية مجتمعية مؤسسية مشتركة. هناك – كما ذكر الرئيس – دول كثيرة تضع قيودا صارمة على استخدام الأطفال للهواتف المحمولة. العاملون فى السياحة أو من يسافرون للخارج يدركون هذا. وهناك قيودٌ أخرى على محتوى ما يشاهده الاطفال أو النشء فى مراحل العمر المختلفة. لماذا لم يقم بذلك المسؤلون فى مصر؟ هل لا بد أن يتحدث الرئيس بنفسه فى تفاصيل تخص مؤسسات يقوم عليها مسؤلون؟ حديث الرئيس المتكرر فى نفس اللقاء عن أطفال ونشء مصر يعنى أن هذا الرجل يسير على الطريق الصحيح من أجل صالح هذا الوطن. فهو لا يفكر بمنطق المسكنات الوقتية أو التعاطى مع المشاكل العاجلة وتقضية سنوات مسؤليته، لكنه مهموم بمستقبل هذا الوطن ويعمل بمنطق بناء مؤسسات وبناء دولة وبناء أجيال قادمة تحفظ مصر لعقود آتية. هو منطق المخلصين ومنطق المحبين والعاشقين وليس منطق الحكام خاصة حكام الشرق الأوسط.
(٩)
إن أى قراءة منصفة لحديث الرئيس سوف تقود صاحبها قطعا لعدة حقائق منها..
أن اختيارات القيادة المصرية لمواقفها السياسية فى السنوات الماضية كانت عن إدراك حقيقى - لما يحدث فى المنطقة ومحاولات تحويل دولها لمناطق نزاع مليشياوى كمقدمة للخراب الشامل - ولم تكن اختيارات ارتجالية.
أن قيادة مصر لديها رؤية طويلة المدى للبناء والتنمية والإصلاح، وأن هذه الرؤية تسير فى هدوء دون صخب.
أن تلك القيادة تدرك ما حدث فى العقود الماضية وتعمل بشكل مؤسسى لعدم تكراره على أرض مصر وذلك بصيانة الأجيال القادمة من الوقوع فى نفس الفخاخ.
أن الرئيس السيسى حين تحدث منذ أكثر من عشر سنوات عن وجوب تصويب الخطاب الدينى إنما كان يتحدث عن مشروع فكرى حقيقى واقعى وقد قطع أشواطا فى سبيل تحقيقه.
أن حديث الرئيس هو إعلان انتصار مصر. وأن المصريين من حقهم الآن أن يفخروا بما حققوه وأن يحتفلوا بنجاة بلادهم.





