تدخل الساحة الانتخابية واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا، في وقت لم تعد فيه المنافسة محصورة بين حزب ومستقل، بل أصبحت معركة بين قوة التنظيم وقوة الحضور الاجتماعي وقوة المال وقوة اللحظة. مشهد مفتوح على كل الاحتمالات، ونتائجه لا تبدو محسومة لأي طرف حتى الآن.
فالأحزاب بطبيعتها تملك أدوات الحشد، وخبرة إدارة المعارك، وقدرتها على توجيه قواعدها وخوض المنافسة بخطوات محسوبة. لكنها في المقابل تواجه شارعًا لم يعد ينتمي بسهولة، ولم يعد يتحرك وفق الولاءات القديمة، بل وفق الأداء والملفات والوجوه القريبة من الناس.
أما المستقلون، فيدخلون المعركة بروح مختلفة مرونة أكبر، وارتباطات اجتماعية أعمق، وقدرة على تكوين تحالفات لحظية وسريعة، دون قيود أو حسابات حزبية. هؤلاء قادرون إذا تحركوا بذكاء على إحداث ارتباك حقيقي في المشهد، وتغيير حسابات دوائر كاملة.
وتزداد الصورة سخونة مع احتمالات التحالفات المركّبة: حزبين يلتقيان مع مستقل واحد، مقابل التنازل عن مقعد داخل التحالف لإنجاح المعادلة. مشهد لا يبدو غريبًا في دوائر تتغير فيها التوازنات بين يوم وآخر، خصوصًا بعد خسائر متوالية لبعض المرشحين في قرى ذات ثقل مثل دفره ونفيا وشقرف ومحلة مرحوم… ما يجعل تحالفاتهم الجديدة قادرة على قلب الطاولة وإنتاج مفاجآت غير متوقعة.
وفي وسط هذا الزخم، يبرز ملف المال السياسي كعنصر يحاول البعض اللعب عليه. لكن المدهش وربما المبشّر أن أغلبية الناس أصبحت أكثر وعيًا من السنوات الماضية. الشارع بات يعرف من يعمل لصالحه ومن يعمل لمصلحته، ومن يحاول شراء موقف مؤقت لن يصمد يومًا واحدًا أمام وعي الجمهور. الناس اليوم تفهم اللعبة جيدًا، وتدرك أن المال الذي يوزَّع على استحياء لا يصنع نائبًا حقيقيًا، ولا يبني ثقة، ولا يصنع وزنًا سياسيًا.
وحتى تلك الحالات القليلة التي تظهر هنا أو هناك، فهي حالات فردية معزولة لا تعبّر عن القرى العريقة ولا عن تاريخ العائلات الكبيرة. من يقوم بهذه التصرفات لا يمثل إلا نفسه… لا يمثل اسم قريته، ولا يعكس قيم أهله، بل يكشف عن محدودية إدراكه وضعف حجته. لذلك يظل الرهان الأكبر في كل جولة على وعي المجتمع وقدرته على حماية صوت الناخب من أي عبث.
ويبقى السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه:
هل سينتصر صاحب الحق الذي يحمل رصيد الناس؟
أم سينتصر من يملك المال والقدرة على المناورة؟
أم سيتقدم الأقوى سياسيًا؟
أم أننا أمام سيناريو آخر تمامًا… سيناريو الطعون وفتح سجلات الدوائر من جديد؟
المشهد لم يُحسم بعد… والملعب ما زال مفتوحًا… والخريطة الانتخابية قد تُكتب بشكل مغاير تمامًا لما يظنه البعض. لأن اللحظة القادمة ببساطة ليست جولة انتخابية فقط… بل اختبار حقيقي لوعي الناس، ولوزن كل طرف في ميزان الشارع.











0 تعليق