القضاء هو سيد قراره

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في وطن يسعى لترسيخ دولة المؤسسات والقانون، ويبحث عن توازنٍ صلب بين سلطاته، يبقى القضاء المصري هو السد المنيع الذي تتكسر عند عتبته كل محاولة للمساس بسيادة القانون، والدرع الذي يحفظ للدولة هيبتها وللمجتمع حقوقه.

لم يعرف التاريخ قضاءً وقف بهذا الثبات في وجه العصف، ولا سلطة قضائية حملت الأمانة بهذه النزاهة والجرأة، فكان قضاة مصر عبر محاكمهم العليا صوت العدالة حين يصمت الجميع، وبوصلة الشرعية حين تضلها المصالح.

ومن هذا الثبات ولد القرار التاريخي للمحكمة الإدارية العليا بإلغاء نتائج الانتخابات في سبع وعشرين دائرة، في خطوة أكدت من جديد أن القضاء ليس مشاهدا على المشهد الانتخابي، بل حارسا له وصاحب الكلمة الفصل فيه، لقد جاء الحكم ليعلن أن التمثيل النيابي لا يُمنح إلا لمن يستحقه، ولا يكتسب شرعيته إلا من صناديق نزيهة وإجراءات سليمة، وأن كل انحراف أو خلل يجد أمامه قضاء لا يساوم ولا يتهاون، بل يصحح المسار مهما كلف الثمن.

على مدى تاريخها الحديث واجهت الدولة تحديات متواصلة بين سلطاتها، ظل فيها  القضاء المصري هو الصخرة الصلبة التي تتكسر عندها أي محاولة للمساس بسيادة القانون، فمنذ أربعة عقود، وقف القضاة  بمحاكمهم المختلفة حراسا للدستور، يحمون نزاهة الانتخابات ويحفظون شرعية مؤسسات الدولة، مهما تعاظمت الضغوط أو تشابكت المصالح السياسية.

ولأن القضاء كان دائمًا "ضمير الدولة" وملاذها الأخير، فقد استطاع أن يصنع توازنا دقيقا بين السلطة والسياسة، وأن يقدم للعالم نموذجا لسلطة قضائية لا تنحني إلا للحق. ليثبت حراس العدالة أن القضاء هو سيد قراره، لا البرلمان ولا السياسة ولا العرف، بل القانون وحده هو الذي يحكم، والقضاء وحده هو الذي يفصل.

حين كان البرلمان “سيد قراره” ــ قبل 2014 ـ لم يكن الطريق دائما ممهدا نحو سيادة القضاء. فعلى مدى عقود، كان البرلمان المصري هو الجهة التي تفصل في صحة عضوية نوابه، في ممارسة كانت تُعرف سياسيا بـ"البرلمان سيد قراره"، هذا المبدأ التاريخي جعل السلطة التشريعية خصما وحكما في الوقت نفسه، فهي تعلن النتائج، وتفصل في الطعون، وتقرر إسقاط العضوية أو الإبقاء عليها، وكانت النتائج كما تُظهر سوابق السنين  مثيرة للجدل، أحكام محكمة النقض ببطلان عضوية عشرات النواب كانت تتراكم في الأدراج، دوائر انتخابية كاملة أُبطلت نتائجها دون أن يعاد انتخابها،تجاوزات انتخابية وعيوب قانونية لم تمنع انعقاد البرلمان أو استمراره، وُلدت مصطلحات مثل "برلمان الطعون"و"مجلس بلا شرعية كاملة ".

لكن لحظة التغيير الكبرى جاءت في دستور 2014، الذي وضع حدا قاطعا لهذا الإرث الطويل، ونقل سلطة الفصل في صحة عضوية النواب إلى قضاة مصر وحدهم.

أنهى دستور 2014 مبدأ «البرلمان سيد قراره» نهائيا، ومنح الاختصاص الحصري لمحكمة النقض بالفصل في صحة عضوية مجلس النواب، هذا التحول لم يكن مجرد تعديل قانوني، بل كان إصلاحا دستوريا يعيد هيكلة العلاقة بين السلطتين التشريعية والقضائية ويضمن الفصل الحقيقي بينهما.

فحجر الأساس هى المادة 107 من الدستور والتي تنص على: تختص محكمة النقض بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس النواب، وتقدم إليها الطعون خلال مدة لا تجاوز ثلاثين يوما من تاريخ إعلان النتيجة النهائية للانتخاب، وتفصل في الطعن خلال ستين يوما من تاريخ وروده إليها، وفي حالة الحكم ببطلان العضوية تبطل من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم.

بهذه الكلمات القاطعة، أُغلقت أبواب الاجتهاد السياسي، وأصبح القضاء هو المرجع الوحيد. لقد رسم الدستور لمحكمة النقض مساحة اختصاص دقيقة وحاسمة في آن واحد، أصبحت المحكمة  بحكم الدستور  صاحبة السلطة العليا في التحقيق، والفحص، وإعادة الفرز، وإصدار الأحكام، دون مشاركة من أي جهة سياسية أو برلمانية، وصلاحيات محكمة النقض في الطعون الانتخابية هى:
1 ـ فحص الطعن شكلا وموضوعا...تقرر المحكمة قبول الطعن أو رفضه، بناء على المعايير القانونية الصارمة.

2 ـ إعادة الفرز ومراجعة الأوراق...للمحكمة أن تطلب الأوراق الرسمية ومحاضر الفرز من الهيئة الوطنية للانتخابات، وأن تعيد فحص الأصوات بنفسها إذا رأت ضرورة لذلك.

3 ـ التحقق من شروط العضوية...تفحص المحكمة أهلية النائب قانونيا،من حيث،الجنسية والسن والمؤهل، والسوابق الجنائية وسلامة الموقف القانوني وقت الترشح.

4 ـ إطار زمني صارم لا يقبل المماطلة...تم تحديده بـ30 يومًا فقط لتقديم الطعن،و60 يومًا فقط للفصل فيه،
هذا النظام يمنع بقاء نائب "مطعون في شرعيته"داخل المجلس لفترة طويلة.

5 ـ أثر الحكم  الحجية المطلقة...فأحكام  محكمة النقض نهائية غير قابلة للطعن، وواجبة النفاذ فورا، ويسقط  النائب من يوم إبلاغ البرلمان دون تصويت أو إجراءات سياسية،لأن العضوية  ببساطة  تصبح باطلة من أساسها،وهنا يتجلى معنى أن القضاء هو سيد قراره… والبرلمان منفّذ فقط.

بهذا الحكم، الذي أصدرته المحكمة الإدراية  العليا بإلغاء نتائج الانتخابات في 26 دائرة،جسدت المحكمة مرة أخرى  الدور العميق للقضاء الإداري في حماية العملية الانتخابية من أي خلل إداري أو قانوني قد يشوبهاوكانت رسالة واضحة بأن إدارة العملية ليست فوق الرقابة، والهيئة الوطنية ليست فوق المساءلة،وشرعية الانتخابات ليست أمرا شكليا، بل مسئولية قانونية كاملة.

وقد أعاد هذا الحكم إلى الواجهة تاريخا طويلا من الأحكام التي حافظت على نزاهة الانتخابات، وإن تجاهلتها السياسة أحيانا.

ففي مسار ممتد أربعة عقود من بطلان الانتخابات (1980–2024)كان القضاء المصري حاضرا بثبات، 
حلّ برلماني 1984 و1987...بأحكام الدستورية العليا التي أبطلت قوانين انتخاب كاملة.

بطلانات واسعة في 1990 و1995 و2000، بحكم محكمة النقض، رغم عدم تنفيذ البرلمان لها.
"برلمان الطعون" 2005...أكثر من 100 نائب صدرت بحقهم أحكام بطلان.

انتخابات 2010...أحكام قضائية متتابعة لم تُنفذ، رغم المخالفات الجسيمة، الحكم التاريخي 2012...الدستورية العليا تعلن بطلان البرلمان بالكامل،تكتب نهاية أول برلمان بعد الثورة.
ما بعد 2014،عصر جديد…القضاء فوق السياسة، والقانون فوق البرلمان،ومحكمة النقض فوق الجميع فيما يتعلق بالعضوية.

لقد أثبت القضاء المصري عبر أربعة عقود من الأحكام التاريخية أنه ليس مجرد سلطة مستقلة، بل ضمانة وطنية ضد أي انحراف في بناء الشرعية السياسية.

فحين يتحدث الدستور  يصمت الجميع، ومع دستور 2014، أصبح الطريق أكثر وضوحا، لا برلمان بلا قضاء،ولا شرعية بلا حكم،ولا ديمقراطية بلا قضاة يحمون الصندوق من لحظة فتحه حتى آخر طعن يُقدم بشأنه. ولذلك القضاء هو سيد قراره، لأنه بالفعل وفي كل لحظة  كان كذلك.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق