مصر تزخر بكنوز ثقافية وفنية متنوعة، تمتد عبر عصورها المختلفة، وتمثل متاحفها نافذة حقيقية على تاريخها وهويتها، ومن هنا تأتي أهمية إطلاق سلسلة أسبوعية لتسليط الضوء على متاحف مصر، كل حلقة منها تعرض متحفًا مختلفًا، للتعريف بالمقتنيات الفنية والتاريخية التي تحتضنها هذه الصروح، ولفتح باب الوعي الثقافي أمام الجمهور، خاصة الطلاب والشباب.
وتأتي هذه المبادرة ضمن برنامج وزارة الثقافة تحت عنوان "فرحانين بالمتحف الكبير.. ولسه متاحف مصر كتير"، والذى أطلقته الوزارة في إطار مبادرة "عزة الهوية المصرية"، ويهدف لتعريف الجمهور بمقتنيات المتاحف المصرية المتنوعة، وغرس قيم احترام التراث والحفاظ على الهوية الوطنية.
متحف محمود مختار.. على ضفاف الفن في قلب القاهرة
في قلب القاهرة، وبين حدائق الجزيرة المطلة على دار الأوبرا المصرية، يقف متحف محمود مختار كأحد أهم الصروح الفنية التي تحفظ تاريخ النحت المصري الحديث، ويحمل بين جدرانه سيرة فنان استثنائي أعاد لهذا الفن مكانته، وقدم عبر أعماله ملامح الهوية المصرية في لحظة فارقة من تاريخها.
ويعد محمود مختار، الذي وُلد عام 1891 وتوفي عام 1934، أول من أعاد الاعتبار لفن النحت بعد سنوات طويلة من الغياب، وصاحب تمثال "نهضة مصر" الذي أصبح رمزًا وطنيًا خالدًا.
فكرة تأسيس متحف محمود مختار
بدأت قصة تأسيس المتحف عقب وفاة "مختار" مباشرة، حين شعر المثقفون ورواد الحركة الوطنية بأن أعماله الفنية يجب أن تحفظ من التشتت والضياع، وكانت هدى شعراوي في مقدمة المنادين بضرورة جمع أعمال الفنان وتوثيق إرثه، وهو ما استجابت له وزارة المعارف عام 1938 بإصدار قرار إنشاء متحف يحمل اسمه، إضافة إلى تخصيص موقع لمقبرته.
وفي العام نفسه عادت بعض أعمال مختار من باريس وعرضت بالجمعية الزراعية في معرض خاص ألقيت خلاله محاضرات عن حياته وإبداعه، ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية أوقف استرجاع بقية الأعمال، قبل أن تُستأنف الجهود لاحقا بدعم من هدى شعراوي وبدور محوري لتدخل الدكتور طه حسين عندما تولى وزارة المعارف بين 1950 و1952، فعمل على إعادة ما تبقى من منحوتات مختار إلى مصر.
المتحف الأول عام 1952.. خطوة أولى نحو حلم أكبر
في تلك الفترة كان الفنان راغب عياد يشغل منصب مدير متحف الفن الحديث، فاتفق مع طه حسين على تخصيص ملحق المتحف ليكون مقرًا مؤقتا لعرض أعمال محمود مختار وحماية ما وصل منها، وتم بالفعل افتتاح أول متحف يحمل اسم محمود مختار في 27 مارس 1952، وكان يضم تسعة وخمسين عملًا نحتيًا من الحجر والرخام والبرونز، إضافة إلى دليل توثيقي صدر يوم الافتتاح، وقد شكل ذلك الافتتاح خطوة أولى نحو إنشاء متحف مستقل يليق بمكانة الفنان.
ثروت عكاشة ورمسيس ويصا واصف.. ولادة الصرح الحالي
عندما تولى الدكتور ثروت عكاشة وزارة الثقافة بين عامي 1958 و1962، وضع مشروع إنشاء متحف محمود مختار ضمن أولوياته الثقافية، مؤكدًا ضرورة وجود مبنى حديث يليق بقيمة هذا الفنان الرائد، فتم اختيار موقع مميز داخل حديقة الحرية في الجزيرة، وصمم المبنى الجديد على يد المهندس الفنان رمسيس ويصا واصف.
وفي يوليو 1962، افتتح المتحف بشكله الحالي ضمن احتفالات مرور 10 سنوات على ثورة يوليو، ليصبح أول متحف متخصص من نوعه في تاريخ الفن المصري الحديث.
كنوز متحف محمود مختار.. أعمال خالدة تحكي ملامح مصر
يضم المتحف نحو 175 عملا من أعمال محمود مختار، تتنوع خاماتها بين الجرانيت والرخام والبازلت والحجر الجيري والبرونز والجص، فضلًا عن أدواته الخاصة التي كان يستخدمها في النحت، ووثائق وصور نادرة ومجموعة من الأوسمة والجوائز التي حصل عليها خلال مسيرته.
وقد خضع المتحف لعملية تطوير شاملة عام 2012 شملت تحديث نظم العرض، الإضاءة، والتأمين، ليواكب أحدث طرق العرض المتحفي في العالم.
أيقونات فنية خالدة.. من "نهضة مصر" إلى "الفلاحة المرحة"
وتتوزع الأعمال داخل القاعات بطريقة تبرز تطور أسلوب مختار منذ بداياته وحتى نضجه الفني، ويأتي تمثال "نهضة مصر" في مقدمة الأعمال الخالدة التي يجسد من خلالها الفنان روح الأمة عبر فلاحة مصرية بسيطة ترفع النقاب وتضع يدها على رأس أبي الهول في إشارة إلى اليقظة الوطنية.
كما يحتفظ المتحف بعمل "رأس سعد زغلول" المصنوع من البرونز، والذي نجح فيه مختار في التعبير بدقة عن قوة الشخصية وصلابة الإرادة لدى زعيم الأمة، وتبرز أيضًا ملامح الحياة الريفية المصرية في أعمال مثل "حاملة الجرة"، "حارس الحقول"، و"على ضفاف النيل"، بينما يعكس تمثال "الحزن" تأثر مختار بالنحت الجنائزي المصري القديم بأسلوب حداثي يعبر عن المشاعر الإنسانية العميقة.
ويحتفظ المتحف أيضًا بعمل "العودة من النهر"، وفيه يتجلى الحس الحركي لدى مختار من خلال تصوير ثلاث فلاحات يحملن الجرار في مشهد مأخوذ من الحياة المصرية، أما تمثال "الفلاحة المرحة" الذي أضيف إلى سيناريو العرض عام 2016، فيقدم صورة نابضة بالحيوية لامرأة ريفية تعكس ملامح البساطة والبهجة.

















0 تعليق