السبت 29/نوفمبر/2025 - 11:37 م 11/29/2025 11:37:29 PM
هناك أسئلةٌ تظلّ طويلا معلّقة فى السماء، تُحدّق فى الوجدان الإنسانى من بعيد، وتعيد طرح نفسها مع كل جيل، لأنها ليست أسئلة فكرية فحسب، بل أسئلة وجودية تمسّ معنى الإنسان وذوقه وطبيعته، وهى بدورها، لا تهبط ولا تنطفئ بسبب ارتباطها بفضول الإنسان، ومحاولاته فى السعى، ولأنها أسئلة ممتدة بامتداد الروح الإنسانية؛ يتوارثها الإنسان منذ كان يسأل: من أين جئت؟ وماذا أفعل هنا؟ وإلى أين أذهب؟.
ومن بين تلك الأسئلة العتيقة سؤال يرتبط بمواهبه وإبداعاته التى يراها وسيلة للتعبير عنه ومن جانب آخر وسيلة للكسب والرزق باستخدام تلك المواهب، فظلّ هذا السؤال يرافق الأجيال منذ فجر الحضارات: ما شرعية الفن؟ هل هو طريق إلى النور أم باب إلى الظلمة؟ وهل يُعقل أن يكون الجمال الذى أودعه الله فى النفس مدخلًا للحرام، أم هو دليلٌ على أنّ الروح خُلقت لتتذوق الجمال كما تتذوق الحق؟.
هذا السؤال- رغم قِدمه - لم يُحسم عبر التاريخ، رغم أن نداء السماء إلى الأرض قد أجاب عنه بوضوح، ولأن الفنون نفسها لم تكن يومًا ترفًا، بل كانت صُلب تكوين الحضارة الإنسانية، وملفًا حاسمًا فى صياغة الوعى الجمعى ورواية قصة الإنسان على الأرض، فقد دارت الدوائر حول الإجابة عليه، لأن السؤال واجه فى كل مرة فهمًا قاصرًا من الإنسان ذاته.
ومن يتأمل التاريخ يدرك أنّ الفنون كانت دائمًا سجلًّا حضاريًا لا يقلّ أهمية عن النقش والوثيقة؛ فهى التى نقلت إلينا ملامح مصر القديمة على جدران المعابد، ورسمت معارك التاريخ على جدران الكهوف، وحفظت قصص الملوك والأساطير عبر فن الحكى، وجسّدت حضارات كاملة فى تمثال واحد، كما فى تماثيل الإغريق والرومان، ولولا الفن لما عرفنا ملامح «نفرتيتى»، ولا تاريخ «توت عنخ آمون»، ولا تفاصيل المدن القديمة التى أعاد الفن تصويرها وفهمها.
إن الفن ليس رفاهية، بل ذاكرة شعوب، ومرآة وجود، ووسيلة الإنسان الأولى لفهم نفسه والعالم، ولهذا، فإن مناقشة شرعيته ليست ترفًا فكريًا بل ضرورة، لأن أداة بهذا العمق فى تشكيل وعى البشر لا يجوز ترك سؤالها معلّقًا بلا تفكير.
وحين نطلّ على سؤال الفن مرة أخرى، نجد أنه سؤالٌ لم يتجدد فقط لأن المحتوى تطور، بل لأنه سؤال يمس طبيعة الإنسان نفسه، فالصوت العذب الذى يطرب القلب من أول وهلة، والموهبة التى تتدفق فى طفل صغير فيغنى قبل أن يتكلّم جيدًا، والقدرة على الرسم قبل القدرة على شرح ما يشعر به، كلها ظواهر تطرح سؤالًا منطقيًا: لماذا وُهب الإنسان هذه القدرات؟ وهل يعطى اللهُ ما لا يُراد منه خير؟ وهل يمكن أن يكون الفن بكل أشكاله خطأً فى الخِلقة، أو بابًا للفجور بالضرورة كما يردد البعض؟.
لقد قال الله سبحانه وتعالى فى التنزيل الحكيم فى سورة «الأعراف: 32»: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ»، وبها مفهوم إلى أن لعلم الجمال رؤية فى التأسيس القرآنى، واحتفاء خاصًا بهذا المفهوم الجمالى، وفى قصة داوود عليه السلام كما ورد فى سورة «سبأ: 10»: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ»، وفيها إشارة إلى الصناعة والفن والإتقان، وإلى أنّ الإبداع مهارة مباركة، وفى سورة «ق:6» قوله تعالى: «أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ»، فالنّظر إلى السماء بما تحمل من كواكب ونجوم وتكوّن للسحب والتغيرات الطبيعية مصدر إلهام لكل إنسان، وكذلك مصدر للتأمل فى الكون الرحب، وكلها آيات تعكس الجمال والإبداع.
فالفن فيما يبدر إلى الفهم، هو إعمال العبقرية والمواهب فى الابتكار، والتجميل والتنسيق، فالشاعر، والرسام، والموسيقى، والمهندس، والطبيب، والبناء، والنساج، والحداد، الزارع، والتاجر، وكل ذى عمل يتوسع فى التجديد ماديًا أو معنويا.. يصبح من الفن إذا استعمل أصحابه عبقرياتهم فى الإنتاج والتحسين.
بل إن الداعية الدينى إذا كان له أسلوب مثمر فى التوجيه، ومحاولات الإقناع، وكاريزما تجذب الأسماع إليه يعتبر فنانًا فى عمله هذا، ولعله أولى من سِواه أن يكون من أصحاب الفنون فى دعوته كما جاء فى الآية الكريمة من سورة «النحل: 125»: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
وإذا كان الفن محلّ خلاف، فإن الخلاف لا ينفى الحقيقة: أن الإنسان كائن جمالى فى أصل فطرته، وهذا ما دفع الكثيرين إلى الصراع حول الفن؛ ليس لأنه شرّ، بل لأنه مؤثر. ولأن تأثيره يتجاوز العقل إلى الوجدان، فإنه يظل محرّكًا للوعى، وكاسرًا لسلطة الصمت، ومُقلقًا لأعداء الحرية، ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحول الفن فى بعض الأزمنة إلى هدف مباشر للعنف الأيديولوجى، إذ أدرك المتطرفون عبر التاريخ أن الفن أوسع من أن يُقيد، وأن الجمال روحٌ لا تنكسر، وأن الأغنية قد تهزم الخوف، والصورة قد تعيد تعريف الإنسان لنفسه.
لقد ظل التطرف فى العالم عبر العصور يرى فى الفن خصمًا، لأنه يدرك أنّ الجمال يحرر الإنسان من الخوف، وأن الفن يوقظ السؤال، والسؤال هو عدوّ كل فكر جامد، ولم يكن الإرهاب فى أى زمن ابنَ الدين، بل كان ابنَ الجهل وسوء التأويل، وقد شهد العالم عشرات الحوادث التى استهدفت الفن، بعضها اتخذ شكل القمع، وبعضها حمل السلاح حرفيًا، مثل تفجير دور السينما فى باكستان وأفغانستان على يد جماعات متشددة، وقتل الفنانين فى العراق والجزائر خلال التسعينات، باعتبار الفن «منكرًا»، ومحاولات تكفير وتشويه مبدعين مصريين وعرب لأنهم غنّوا أو ألّفوا أو رسموا، واغتيال فنانين تشكيليين وتهديد آخرين بسبب لوحاتهم، مثلما حدث فى بعض بلدان آسيا الوسطى.
هذه الأحداث لم تكن حربًا على «الفن» بقدر ما كانت حربًا على الحرية نفسها، فالمتطرف يعلم أن الفن يقوّض سلطته، وأن الإبداع يفتح باب السؤال، والسؤال هو العدو الأول للصمت المفروض.
ولكن.. ماذا نرى من السيرة النبوية الشريفة عن قبول الفن والإبداع؟
لقد تناولت العديد من الكتب والمؤلفات السيرة العطرة لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وتناولت أقواله وأفعاله وهو يصحح الذوق الفنى ويقر الجمال حيثما كان ما لم يقترن بحرام، فيقول عليه الصلاة والسلام فى الحديث الصحيح: «إن الله جميل يحب الجمال»، وهذا إخبار من الحبيب المصطفى عن جمال الله تعالى، وأنه هو خالق الجمال فى هذا الكون.
وفى حادثة الأذان، رأى صحابى رؤيا أنه يُعلم الأذان لسيدَنا بلال بن رباح، فأقره الرسول قائلًا عن بلال: إنه أندى صوتًا. والمتأمل فى تلك الملاحظة النبوية، يجد أن أصل الكلمة هو الندى وهو المطر الرقيق الذى إذا سقط طابت به الزهور والأشجار والأطيار، لأنه يسقى دون أن يهلك أو يضر، من هنا استخدم العرب لفظ الصوت الندى للدلالة على الأصوات المتميزة ذات النبرة الرخيمة التى تؤنس ولا تزعج، وكان إذا أذن بلال بصوته الجميل الآخاذ سلب الألباب، وكانت تلبية النداء للصلاة أسرع وأقوى، لحلاوة صوت بلال وجمال أدائه، وفى هذا دليل على عمق معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم لخبايا النفوس والوسائل الفعالة فى التأثير عليها.
وما كان الرسول صلى الله عليه وسلم ليُضيق على نفس إن لهت ولعبت وغنت، طالما كان الغناء أو اللهو أو اللعب لا يؤدى إلى مفسدة أو إضاعة للصلاة أو حض على حرام، وأم المؤمنين السيدة عائشة تروى أنه كان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدف والحراب فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «تشتهين تنظرين؟» فقالت: نعم، فأقامها وراءه وخدها على خده، حتى إذا مللت، قال: «حسبك؟» فقالت: نعم، فقال: «اذهبى».
فلم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يفرحوا بالعيد فى مسجده الشريف ليس بالصلاة والذكر، وإنما لعبًا ورياضة، وكذلك لم يمنع السيدة عائشة من النظر إليهم، بل سمح لها بذلك فى صحبته، عليه الصلاة والسلام.
وروت أيضا السيدة عائشة، أنه فى يوم عيد وفى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل عليها أبوها أبوبكر الصديق، وعندها جاريتان من جوارى الأنصار، تغنيان بما تقاولت به الأنصار فى يوم بعاث، وكانتا ليستا بمغنيتين، فقال أبوبكر غاضبًا: أبمزمور الشيطان فى بيت النبى صلى الله عليه وسلم؟! وذلك فى عيد الفطر، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا». وما كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقر أحدًا على شىء لا يرضاه الله عز وجل كائنًا من كان، وما إقرار الرسول للجاريتين على غنائهما إلا لأنهما لم تخالفا الفطرة السليمة فى الاحتفال بعيد المسلمين رحمة وتوسعة على النفوس،
وقد روى سيدنا على بن أبى طالب، كرم الله وجهه، أن النبى صلى الله عليه وسلم مَر هو وأصحابه ببنى زريق فسمعوا غناء ولعبًا، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما هذا؟»، قالوا: نكاح فلان يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «كمل دينه، هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر حتى يُسمع دف أو يرى دخان»، وبهذا أقر رسول الله على جعل أيام الأفراح والأعياد تختلف عن سائر الأيام وإقراره فيها لسائر اللهو المباح.
كما أن سيدنا الحبيب عليه الصلاة والسلام كان ذواقًا للكلمة الجميلة بالأداء الجميل، وفيما روى أنس بن مالك رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وسلم مَر بالمدينة، فإذا بجوارى يضربن بدفوفهن ويتغنين ويقلن: نحن جوار من بنى النجار، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «يعلم الله إنى لأحبكن».
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الشعر الجميل وكلماته التى ترفع من شأن الإنسان أو تدافع عن الإسلام، وكان يأمر حسان بن ثابت أن يصعد على منبره الشريف ليرد شعرًا على شعر قريش الذى كانوا يؤذون به المسلمين، وكان يقر الصحابة الذين يرددون الأشعار الحماسية فى الغزوات، ويقول معهم عليه الصلاة والسلام.
وقد ذكر البخارى فى صحيحه، أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومعه الصحابة وهم يبنون المسجد النبوى كانوا يغنون: اللهم إن العيش عيش الآخرة.. فارحم الأنصار والمهاجرة، وذكر البخارى عن البراء قوله: لما كان يوم الأحزاب والخندق، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينقل من تراب الخندق حتى وارى الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشَّعْر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة يقول: «اللَّهُمَّ لَولا أنت ما اهتَدَينا... ولا تَصدَّقْنا ولا صَلَّيْنا، فأنزِلَنْ سَكينةً علينا... وثَبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنا، إنَّ الأُلى قد بَغَوا علينا... وإنْ أرادوا فِتنةً أبَيْنا» ثم يمد صوته بآخرها.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يسمع القرآن من غيره وقد قال فى بعض الصحابة الذين عرفوا بجمال الصوت وحسن التلاوة مثل عبد الله بن مسعود: من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأه علىَّ قراءة ابن أم عبد «رواه البخارى رواه البخارى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه».
وقد صح فى البخارى ومسلم، أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لما سمع أبا موسى الأشعرى يقرأ القرآن بصوت عذب قال: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود، والمراد بالمزامير صوته الحسن، وأصل الزمر الغناء وبه سميت آلة الزمر مزمارًا.
كما أحل النبى ﷺ ما يتعلق بالنساء فى العرس، من الغناء العادى مع دف فيما بينهن؛ بل غناء الناس فيما بينهم فى الأعراس، كما أحل أيضًا للحبشة اللعب فى المسجد بآلات السلاح بالدرقة، والسيوف، والرماح التى تقذف، وأشباه ذلك من باب التدرب على الحرب، وآلات الملاهى، ولما أراد عمر أن ينكر عليهم ذلك قال: دعهم حتى تعلم اليهود أن فى ديننا فسحة وفى قصة الجوارى: دعهم فإن لكل قوم عيدًا.
وهنا يبدأ الوجه الثانى للقصة. فالنصوص الشرعية تعطى صورة مختلفة تمامًا عما يشيعه المتشددون؛ فهى لا تُجرّم الفنون على إطلاقها، بل تعيد ربطها بوظيفتها الأخلاقية والروحية. القرآن نفسه يفتح الباب للجمال حين يقول فى آيات الشعراء، فى سورة «الشعراء:224»: «وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الۡغَاوُونَ»، ولأن الشعر لا يدان كلّه، بل يُدان سوء استخدامه، ينتهى النص باستثناء جميل: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»، أى أنّ الفن الهادف جزء من الصلاح لا من الفساد.
وأيضا جاءت آراء كبار العلماء لتضفى كثيرًا من الإنصاف للفن والإبداع الهادف، فالغزالى رأى الغناء مباحًا إذا خلا من الفحش، وابن حزم وضع قاعدة قاطعة بأنه لا دليل صحيح على التحريم، والشافعية والمالكية أباحوا كثيرًا من الفنون بضوابط معروفة، وابن القيم نفسه- الذى يحتج به المتشددون كثيرًا- قال إن الحكم على الفن يكون بحكم أثره، لا بذاته، هذا التراث الفقهى الضخم كلّه يؤكد أن الفن ليس حرامًا فى ذاته، بل فيما يجرّ إليه من محتوى، وهى قاعدة تليق بدين عقلانىّ متّسق كالإسلام.
ولا ننسى مواقف الأزهر الشريف وإمامه الأكبر فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، ومنها حين استقبل وفدًا من الفنانين والأدباء فى مشيخة الأزهر عام 2014، حيث أكد لهم أن الأزهر الشريف لا يصادر الفكر والإبداع، وليس جهة منع أو مصادرة للأعمال الأدبية والفنية، وإنما يقول رأيه فيما يعرض عليه من أعمال، لإبداء الرأى الشرعى فيها، وهذه مسئولية الأزهر الشرعية والتاريخية، وأضاف الإمام الأكبر أن الفن قيمة تخدم المجتمعات، وأن الأزهر قد قرر حرية الإبداع فى وثيقته المشهورة للحريات.
وفى عام 2020، أكد الدكتور أحمد الطيب أن للأزهر تاريخًا بعيدًا وقريبًا فى حماية الإبداع المسئول، ووثيقته حول حرية العقيدة والإبداع والفنون والبحث العلمى شاهد ودليل، وأن الأزهر يشجع ويساند ويدعم الفن الذى يحمل رسالة للارتقاء بالمجتمع وتغيير الواقع السيئ إلى واقع أفضل.
وأضاف، فى مقال له نشر بجريدة صوت الأزهر، أن بعض الأعمال الفنية التى تُعْرَض مؤخرًا أثبتت - كما بلغنى من كثير من المتابعين - أنه يمكن أن تكون الرسالة قوية فتعرض للشباب جزءًا من تاريخهم وحاضرهم وتُقدِّم لهم نماذج القدوة الصالحة من أبطال هذا الوطن وشهدائه الذين ضحوا من أجله.
ودعا الإمام الأكبر كل صُنَّاع الدراما إلى استثمار نجاح الأعمال الجادَّة التى أثبتت أن الجمهور يقبل على الفن الهادف ويتأثر به حال توافره، وتابع، نتطلع نحن المشاهدين المحبِّين للفنون الراقية الهادفة أن نرى مزيدًا من الأعمال التى تُنمِّى الوعى وتُعزِّز القيم الاجتماعية، مثل تناول الرسالة العظيمة التى يقوم بها الأطباء وطواقم الصحة والإغاثة.
وحين ندخل إلى فلسفة الجمال فى الإسلام نكتشف مستوى أعمق؛ إذ لم يكن الجمال مجرد مباح، بل كان قيمة روحية، فابن خلدون اعتبر الصنائع - ومنها الفنون - جزءًا من عمران الدولة، والصوفية رأوا الجمال طريقًا للمعرفة، وأن إحسان العمل جزء من رؤية الله بالقلب، أما الفلاسفة المسلمون فربطوا الفن بمقام «الإحسان»، أى الإتقان الذى يسمو بالنفس، وكل هذه الرؤى تُعيد صياغة السؤال الذى بدأنا به: هل يكون الفن طريقًا للإيمان؟ نعم.. إذا كان الفن يوقظ الروح، ويوسّع الرؤية، ويعيد الإنسان إلى حسّه الجمالى الذى خلقه الله عليه، فإنه يمكن أن يكون بابًا نورانيًا يُحرّك الإيمان بدل أن يطفئه.
ويبقى السؤال الأخير: متى يكون الفن حرامًا؟
الجواب بسيط فى جوهره: عندما يكون محتواه فاسدًا. أما الفن نفسه- بكل أشكاله- فليس فيه ما يحرّمه بذاته، وكما يمكن أن يكون انحدارًا إلى الظلام؛ أو مصنعًا للابتذال، أو هادمًا للقيم، فيمكن من ناحية أخرى إذا أحسن استخدامه أن يبنى حضارة، وأن يكون مدرسة للذوق، وأن يكون طريقًا للإيمان والنور ونشر قيم الفضيلة والاستقامة، والحكم الأخلاقى لا يصدر على «الفن»، بل على «المحتوى»، وهى قاعدة عادلة تحفظ الدين والروح والجمال معًا.
الاختلاف الأكبر جاء من الخلط بين الفن كوسيلة وبين المحتوى الذى يُقدَّم، فكما أنّ السيف يمكن أن يحمى أو يقتل، كذلك الفن يمكن أن يهذّب أو يدمّر.
الخلاصة: إن الفن - حين ينضبط ويهذّب - ليس خصمًا للدين، بل حليفًا له، والجمال - حين يكون نقيًا - ليس خطرًا على الأخلاق، بل حارسًا لها، وهو أحد مفاتيح الروح؛ قد يقودها إلى الإيمان إذا كان صادقًا، راقيًا، شاهدًا على الجمال، وقد يضلّها إذا تخلّى عن قيمته الحقيقية، والمجتمعات الواعية هى التى تعرف قدر الفن تعرف أنّ الجمال ليس خطرًا على الأخلاق، بل حارسًا لها، وأن الإبداع ليس خصمًا للدين، بل رفيقًا له فى طريق تهذيب النفس والارتقاء بالإنسان.
من لم يعرف الروح فى الإسلام ظنّ أنه دين تجريد لا جمال فيه، بينما الحقيقة أن الإسلام دين ذوق وجمال وصوت حسن.
والتاريخ والتراث والنصوص تكشف أن الجمال ليس مجرد مباح، بل قيمة روحية.
وليس السؤال: هل الفن حلال أم حرام؟ بل السؤال الحقيقى:
أىّ فن نصنع؟ وبأى ذائقة نبنى ونُربّى وجدان أجيالنا؟.

















0 تعليق