كل الذين تحبهم رحلوا. مع كل راحل منهم تغادرك قطعةٌ من روحك. يموت بداخلك الشغف بما هو آتٍ. يتركونك تعاقر الوحدة والضجر. تترى صورهم المعلقة على جدران ذاكرتك المتربة. تخايلك أطيافهم، يزدحم القلب بالمواجع، فتحن إليهم، وأنت تبصر بعينيك الزمن يضمحل، فماذا تنتظر؟
ليل كثيف الظلمة، شديد البرودة. ريح عاصفة تعوى بالخارج، وروائح الشتاء تسيل بداخلى. سكنت الحارة والبيوت مكفنة بالظلام أغلقت أبوابها. انقطعت أرجل العابرين فبدت الحارات والأزقة تحت سماء الليل كامرأة وحيدة، مهجورة. همّدت كلاب الحى حراس الشوارع. وحده القط الأسود ساكن الأقبية الخربة والسارح فى الحارات وفوق السطوح، انفرد بالحارة فى فضاء الليل. يموء مواءً متوحشًا. تلمع شواربه الفضية فى دكنة العتمة، فيما تبرق عيناه اللوزيتان المليئتان بالأسرار.
فراشى دافئ، وأنا أحكم الغطاء حول جسدى المنهك من شقوة النهار.
هى جدتى، ضئيلة الجسم حتى يمكن صرُّها فى طرحتها. كليلة البصر، واهنة القوى، بجلبابها الأسود وطرحتها الحائلة تسف التراب. معصوبة الرأس تلقى بطرف الطرحة على كتفها اليسرى، يظهر من تحتها شعرها الناعم المُسّرح ينتهى بضفيرتين بلون الفضة. تستند بظهرها على جدار الفرن الطينى فاردة قدميها العجفاوين، أضع رأسى الصغير فوقهما. تهدهدنى وتطبطب علىّ. أرفع عينى أتأمل وجهها العجوز القديم. متطلعًا للسماء، أرى سرب حمام يطير نشوان بالبراح، وقمرًا مخنوقًا، وجهه ملىء بالندوب والحفر، ونجوم الله العالية ترنو خافتة. بيدها الحانية المعروقة تمسح على شعرى المجعّد الخشن. تميل علىّ فيميل نهداها الضامران. تحكى لى عن العم داود حين راح يروى زرعته -إذ حانت دورته فى الرى- فى جوف الليل، عابرًا الغيطان والمساقى الصغيرة وحفيف شجر الكافور العالى. لم يكن الضوء الرصاصى للفجر قد أضاء الدنيا بعد، والقمر فى الأعالى يطل على الدنيا بنصف وجه. شجرة الجميز العتيقة، فى الضوء الشحيح، تقف ساكنة بجوار القنطرة الخشبية، تلقى بظلالها الكثيفة على المياه السارية فى صمت السكون. يسير على الجسر الترابى الموازى للترعة الكبيرة حاملًا فأسه على كتفه، حين لمح مدهوشًا على البعد مجموعة من الأرانب شاهقة البياض تلمع فى الظلمة الكثيفة وتتقافز مرحة. يتلفت حوله محاذرًا علّه يرى أحدًا تخصه هذه الأرانب. لا شىء سوى الظلام والسكون وصوت خرير الماء فى الغيط البعيد. أمسك بطرفى جلبابه وراح يجمع الأرانب المستسلمة فى هدوء غريب. أحكم ربط جلبابه حول وسطه. فكر أن يعود للبيت ويوقظ امرأته الغارقة فى سابع نومة، لكنه آثر أن يمضى إلى حقله. على رأس الغيط تنتصب الجميزة الجسيمة، عمرها من عمر الجدود، تميل فروعها على الترعة فى غبشة الفجر. بجوارها تقع تعريشة البوص المنصوبة لقيلولة الظهيرة وعمل الشاى الثقيل على الراكية. فك جلبابه لينزل صيده الثمين فانطرحت على الأرض كرات ورقية بيضاء. يتراجع للخلف مذعورًا، يضرب الدم فى يافوخه. يرسم علامة الصليب على صدره متمتمًا ببعض الآيات، وإذ يستبد به الحنق يصيح لاعنًا: يا ولاد الكاااالب، عملتوها فىّ، ويستغرق فى ضحك أسيان. يرش وجهه بالماء، ويحزم جلبابه حول وسطه تافلًا فى باطن يديه قائلًا: استعنَّا على الشقاء بالله.
تستقر فى قلبى حكاياها، ويجافينى النوم. وكنت فى ليالٍ كثيرة أنام متأخرًا. تفزِعُنى أصوات غريبة تأتينى مختلطة مع ضحكات شريرة. وكنت أرى أمى- سيدة الدار- تجلس وحيدة على عتبة الدار مُطرقة، ترتل عديدها الذى يصعد بالدموع إلى عينىّ، فأفر هاربًا كاتمًا بكائى. أستجدى النوم، لكنه لا يجىء. مصباح له زجاجة مدخنة وشريط مغموس فى الجاز، ينفث النور الباهت فى فراغ الحجرة المحبوس. تتماوج الظلال على الجدران حائلة اللون، تتشكل فى هيئة عفريت مخيف ذى عين واحدة مشقوقة بالطول يطقّ منها الشرر، وخصلة شعر نافرة تتدلى من مؤخرة الرأس. تنبجس النار من فمه الواسع ويضحك ضحكة مجلجلة مرعبة شامتة. أهرع مندسًّا تحت الغطاء شادًّا إياه حتى لا يبيِّن شيئًا من وجهى المرعوب. يأتينى صوت الناى ورجع المواويل المنطلقة من مدارات السواقى ليلًا وعلى جسور الترع وبراح الغيطان.
هأنذا أعود متدثرًا بالحنين والذكريات التى تبيت فى منازل الريح. أنتظر وسط تراتيل من ألوف السنين. أخوض فى الحوارى والأزقة التى لم تعد. أطرق أبوابًا خشبية عتيقة آلفها وأحن إليها. لكنها انتزعت من أماكنها وحل محلها أبواب حديدية صدئة جهمة وجافية. أسأل- أنا ذلك الصبى الذى تحيِّرُنى أبجدية الأشياء- عن العم داود ورفاق كانوا هنا، يملأون الليالى بالونس والأُلفة. أستمع إلى غناء عتيق يضنينى إلى حد البكاء، وأظل أتأمل الصوت وأتذكر الملامح تكتمل فى ذهنى جزءًا جزءًا وأتساءل عن معنى الحنين، وعن الشموس التى أشرقت يومًا فى سمائى لكنها مضت. أسمَعُنى أردِّد بفحمة البكاء: ماذا جرى؟ الناس غير الناس، والأرض غير الأرض. اختفى البراح، وحلت محله بنايات الأسمنت القبيحة. انقضى زمن كومة العيش بفوحه الأليف، وصار الناس يشترون رغيفهم. كان الناس يعرفون كيف يستلون أفراحهم عُنوة من عين المواجع. أما الآن فليس فى البيوت من يضحك من قلبه. الرجال يجترون مرارة الخذلان، والنساء يمسحن بقايا الصهد والمكابدة عن أجسادهن المجهدة. كبرت وعاصرته. كنت أجالسه أوقاتًا طويلة. أستمع مسحورًا إلى حكاياته الشائقة. كان يملك مخزونًا لا ينفد من الحكايات، أخبار الأولين، جذور العائلات وأصولها، والأهم حكاياته مع العفاريت. هأنذا أعود وأسأل عنه، فتجيبنى عيون منطفئة باردة، ليس فيها لهفة الأحبة. كبر العم داود. شاب شعره وانطفأ بريق عينيه. لم يعد من يذكر حكاياته وكرمه ونبله الأثير. صار قعيد المصطبة. رحل رفاق الزمن القديم. غابوا ونأى الزمن بهم فلم يعد يذكرهم أحد. ارتفع من البعد نُباح كلب، وخفقت فى السماء نجوم. تراب السكك الناعم يلسع قدمىّ، والعرق يتفصد من جسدى، وأنا ألهث بصوت مسموع، وبقبضة الطفل الذى كان، أدق على الباب ذى الضلفة الواحدة. يئن أنينًا رفيعًا مشروخًا إذ ينفتح. فى الداخل جسد العم داود وقد أُسجى داخل تابوته الخشبى مسربلًا بالضياء. جهزوه لرحلته الأخيرة، الرحلة الأبدية التى لم يعد منها مسافر ليخبرنا كيف حالهم هناك. وقتها عرفت أنه لا يدوم سوى وجه الله، وتأكدت أيضًا أن لا شىء يضيع، لا شىء يذهب.















0 تعليق