فى لحظة نادرة، انفجرت داخل جماعة الإخوان موجة اعترافات واتهامات لم تأت من أشد خصومها التقليديين، ولا من الباحثين الذين قضوا سنوات فى تفكيك خطابها، بل جاءت هذه المرة من أنصارها، وقيادات محسوبة على التيار الإسلامى نفسه.
وتحوّل بيان الجماعة الصادر من جبهة صلاح عبدالحق، ردًا على القرار التنفيذى للرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، بشأن تصنيف فروع الإخوان فى مصر ولبنان والأردن منظمات إرهابية- إلى فضيحة داخلية كشفت عن تحولات خطيرة فى خطاب الجماعة وعلاقاتها، لدرجة أن أنصارها وصفوا بيان الجماعة الأخير بأنه يقدم نفسه للعالم كجماعة مستعدة للتخابر، وخادمة فى بلاط أمريكا.
مواقف كاشفة: «جبهة لندن» تؤكد العمالة.. وخطاب لـ«إخوان إسطنبول» يُشرعن الإرهاب
كشف البيان الأخير الصادر عن جبهة صلاح عبدالحق فى لندن، التى تدّعى تمثيل قيادة الجماعة، عن تماهٍ كامل مع فكرة العمالة والتخابر، فالبيان كان- وفق وصف أنصار الجماعة أنفسهم - عرضًا مجانيًا للتعاون مع واشنطن، واعترافًا بالاستعداد للتخابر معها، عقب تأكيد وجود تنسيق سابق معها، وإقرار بدور بنّاء للجماعة فى خدمة الاستقرار الإقليمى تحت مظلة الإدارة الأمريكية.
وفى المقابل، كشفت حركة «ميدان»، أو تيار التغيير، عن وجهها الدموى عبر خطاب أكثر فجاجة، يُشرعن العنف ويحرض ضد الولايات المتحدة والدول العربية، ويحوّل الهجوم العسكرى المسلح إلى «غريزة إنسانية».
هذه اللغة، التى جاءت بعد قرار ترامب، أظهرت بوضوح حجم الرعب داخل صفوف التنظيم من لحظة التصنيف الأمريكى، وحجم التصدع الداخلى الذى أدى إلى بيانات مرتبكة ومتضاربة. بيان «ميدان» اعتبره المراقبون صراخًا وبكاءً لإخوان إسطنبول بعد صفعة ترامب، وتبريرًا للعنف، وتجميلًا للإرهاب تحت عباءة الدين. وكشف البيان عن حالة ارتباك شديدة داخل تيار إسطنبول، قيادةً وتنظيمًا ودعايةً، واتسم بلغة تحريضية تحاول صناعة «بطولة وهمية» للجماعة، حيث تضمن البيان تبريرًا عبر المفردات المستخدمة لتحويل العنف إلى قيمة إنسانية، وتبنى دعمًا كاملًا للمقاومة المسلحة، فى رسالة مباشرة لواشنطن بأن الحركة تُشرعن العنف، إذ حاول البيان تزييف الواقع بجملة أن «القرار هدية للإخوان»، كما حاولت الحركة إدخال التيارات الإسلامية الأخرى فى معركة الإخوان، خوفًا من العزلة.
جمال سلطان ينقلب على إخوانه: «المتآمرون» يقدمون عرضًا صريحًا للتعاون الأمنى والاستخباراتى مع الولايات المتحدة
الكاتب الإسلامى جمال سلطان، المعروف بأنه من بين الأصوات المتعاطفة مع الجماعة، قدّم شهادة أكثر خطورة، فوصف البيان بأنه «فضيحة سياسية» واعتراف بأن الجماعة تمارس التخريب أينما حلت، وتعيش على ثقافة التآمر والعمل السرى.
يقول «سلطان»: «البيان جاء بروح انهزامية، ويحمل عرضًا صريحًا للتعاون مع الأجهزة الأمريكية، وهو ما يرقى فى كثير من الدول إلى توصيف التخابر»، كاشفًا عن أن أخطر جملة فى البيان هى: «ستواصل الجماعة مساعيها للمشاركة البناءة مع جميع الحكومات، بما فى ذلك حكومة الولايات المتحدة».
هنا، حسب «سلطان»، لم تعد الجماعة تدافع عن نفسها، بل تتوسل الدور السياسى عبر واشنطن، وتقدم عرضًا صريحًا للتعاون الأمنى والاستخباراتى، ثم يضيف «سلطان» تشخيصه الصادم: «البيان يعترف بأن وجود الجماعة داخل أى دولة يشكل تهديدًا لمصالحها، وهذا بحد ذاته اعتراف بأنها عنصر خراب لأى دولة توجد بها».
وأنهى شهادته قائلًا: «هذا البيان أسوأ ما صدر عن الجماعة فى تاريخها، ويكشف التخبط والانهيار الداخلى».
ممدوح إسماعيل يعترف: الجماعة سقطت أخلاقيًا وسياسيًا وقدمت نفسها ككيان خادم للمحتل
فى تصريحاته التى أثارت ضجة واسعة، قال المحامى ممدوح إسماعيل، أحد أبرز الوجوه الإسلامية، إن جماعة الإخوان سقطت أخلاقيًا وسياسيًا ببيانها الأخير، معتبرًا أنه اعتراف صريح بالماسونية.
«إسماعيل»، المعروف بدفاعه التاريخى عن الجماعة، بدا مذهولًا من محتوى البيان، قائلًا: «اللغة التى استخدمها البيان لغة خنوع وتذلل لا تليق بجماعة إسلامية».
وتوقف عند الفقرة التى قال فيها بيان الإخوان: «عملت الجماعة خلال فترة الحكم مع الولايات المتحدة على تعزيز الاستقرار الإقليمى ودعم الجهود الدبلوماسية لإحلال السلام». هذه الجملة وحدها، حسب اعترافات «إسماعيل»، كافية لإسقاط آخر أوراق التوت عن الجماعة، ومن هنا يتساءل: كيف تتحدث جماعة إسلامية تتغنى طوال تاريخها بـ«الجهاد» عن التعاون مع أمريكا؟، وكيف تتفاخر بهذا التعاون، بينما واشنطن تدعم إسرائيل بلا حدود فى حرب غزة؟، ولماذا تعترف الجماعة فجأة بأنها كانت تحكم مصر فعليًا رغم إنكارها الدائم أن مكتب الإرشاد ليس له علاقة بحكم الرئيس المعزول الراحل محمد مرسى؟
واعتبر «إسماعيل» أن البيان «أشبه برسالة عشق سياسية» موجهة لواشنطن، هدفها تقديم الجماعة باعتبارها شريكًا صالحًا فى الشرق الأوسط. وهنا مربط الفضيحة، فالجماعة تقدّم نفسها رسميًا ككيان يعمل لخدمة الولايات المتحدة، وليس كمشروع دعوى له جذور اجتماعية.
ويذهب «إسماعيل» إلى أبعد من ذلك، عندما اعتبر أن أسلوب البيان «أقرب لأسلوب الجماعات الماسونية» التى تسعى دائمًا لتقديم نفسها كشركاء فى الاستقرار لصناع القرار العالميين.
طارق البشبيشى:«الإخوان» منذ نشأتها إحدى أدوات الاستعمار الغربى ضد دول المنطقة
الباحث المتخصص فى شئون الجماعات المتطرفة طارق البشبيشى، قدم أعمق تحليل سياسى، مؤكدًا أن ما جاء فى بيان الجماعة ليس انحرافًا جديدًا، بل عودة للطبيعة الأصلية للتنظيم منذ لحظة تأسيسه. يقول «البشبيشى»: «منذ نشأتها حتى اليوم، ما زالت الجماعة إحدى أدوات الاستعمار الغربى ضد دول المنطقة»، ويسوق أدلة تاريخية عبر ٣ وقائع؛ أولها جلسات البرلمان البريطانى، حينما اعترف إبراهيم منير، المرشد المؤقت الراحل، بالتعاون مع المخابرات البريطانية.
ويوضح: «فى عام ٢٠١٤، وأمام مجلس العموم البريطانى، قال إبراهيم منير إن الجماعة تتعاون مع المخابرات البريطانية لدرجة أن ممثلًا عنها حضر اجتماعًا لمكتب الإرشاد فى لندن».
وثانى تلك الوقائع التاريخية التى تكشف عمالة الجماعة مع الغرب، حسب «البشبيشى»، هو التعاون مع الأمريكان فى أفغانستان؛ إذ يؤكد «البشبيشى» أن الجماعة عملت مع المخابرات الأمريكية خلال الحرب الأفغانية، وساعدت فى إنشاء حركة المجاهدين التى أسهمت فى إسقاط الاتحاد السوفيتى، واصفًا إياها بأنها كانت أداة أمريكية كاملة خلال الحرب الباردة.
أما ثالث الأدلة، فهى دور الإخوان فى تهجير يهود مصر؛ إذ يضع «البشبيشى» واحدة من أخطر الحقائق التاريخية، بقوله إن جماعة الإخوان نفذت عمليات تفجير ضد مصالح اليهود الاقتصادية فى مصر عام ١٩٤٨، لإجبارهم على الهجرة إلى إسرائيل بالتنسيق مع البريطانيين.
هذه القضية وحدها، حسب «البشبيشى»، تكشف أن الجماعة ليست «حركة مقاومة»، بل ذراع استخباراتية فى الشرق الأوسط لعبت دورًا مباشرًا فى صناعة تأسيس إسرائيل. وأكد أن الجماعة تواصلت مع الأمريكان لإسقاط «عبدالناصر»، موضحًا أن التاريخ يثبت وجود اتصالات بين قيادات الإخوان والأجهزة الأمريكية للإطاحة بالرئيس جمال عبدالناصر، ومشددًا على أن الجماعة منذ تأسيسها تعمل لحساب مخابرات الغرب، وبيانها يؤكد طبيعتها الوظيفية.
حسام الغمرى: التنظيم حرباء تتلون وتظهر تحت عشرات الواجهات من جمعيات ومنظمات
قال حسام الغمرى، الإعلامى والباحث، إن جماعة الإخوان أصدرت بيانين خلال الساعات الماضية؛ الأول لجبهة صلاح عبدالحق فى لندن، والثانى لحركة «ميدان» فى إسطنبول، واصفًا ما جاء فيهما بأنه «كوميديا هزلية» تعكس حجم الارتباك والانهيار داخل التنظيم.
وأوضح «الغمرى» أن بيان صلاح عبدالحق جاء فى حالة من الهستيريا والصدمة؛ لأنه كان مزيجًا من التودد والاستجداء من جهة، والتذكير بدورهم الوظيفى القديم فى خدمة الأجهزة الأمريكية من جهة أخرى، ثم انقلب البيان فجأة إلى لغة تهديد مبطنة للأمن القومى الأمريكى حين زعم أن تصنيف الجماعة منظمة إرهابية «يضر بالأمن القومى للولايات المتحدة»، وكأنهم «يدّعون أنهم أدرى بشعاب مكة من أهلها». وأضاف أن البيان كشف عن حيلة الإخوان القديمة التى يستخدمونها دائمًا، وهى استخدام واجهات لا تتبع لها مباشرة للعمل لتحقيق أهداف، واصفًا الجماعة بأنها «جماعة حرباء تتلون وتظهر تحت عشرات الواجهات من جمعيات وشركات ومنظمات»، ومؤكدًا أن هذا تكنيك ثابت لديهم، ضاربًا مثالًا بأن حركة حسم المصنفة إرهابية فى الولايات المتحدة «عادت للظهور بالاسم نفسه تقريبًا تحت لافتة حركة ميدان وبنفس الأشخاص». وذكر «الغمرى» أن البيان يعكس أيضًا ترهلًا سياسيًا ومراهقة تنظيمية، موضحًا أنه كشف بوضوح أن قيادة الجماعة كانت تراهن على أن واشنطن لن تصنفها إرهابية، لأنها توهمت وجود «علاقة استراتيجية» بينها وبين الغرب تحول دون صدور القرار. وأشار إلى أن البيان حمل جميع المتناقضات، بداية من التودد والاستجداء، مرورًا بالتذكير بالخدمات القديمة لواشنطن، وانتهاء بتهديد مبطن، وهو ما يعكس- على حد وصفه- هستيريا تنظيم لم يعد يملك شيئًا يخسره. وقال إن الإخوان يعلمون يقينًا أن استمرارهم طوال السنوات الماضية كان بسبب خيط الدعم الغربى، وأن صدور قرار التصنيف يعنى تجريم أى جهة أو فرد يقدم لهم دعمًا أو تبرعات، فى وقت يعتمد فيه التنظيم بشكل كامل على التمويلات الخارجية سواء من أفراد أو من أجهزة كانت مخدوعة فيهم، كما أن القرار يضع الدول التى تستضيفهم- ومعظمها دول فى حلف الناتو- فى حرج كبير، وقد يعرضها لضغوط وعقوبات، إضافة إلى إخضاع التحويلات المالية المرتبطة بهم لرقابة صارمة ضمن منظومة «سويفت» العالمية. وختم قائلًا إن القرار الأمريكى يمثل صدمة تاريخية للتنظيم، وإن العالم يتابع اليوم «موت ونهاية جماعة بدأت بـ٥٠٠ جنيه تلقاها حسن البنا من الاستعمار البريطانى، وستنتهى بقرار دولى يجمد أموالها ويصنفها تنظيمًا إرهابيًا».

















0 تعليق