في أعقاب الحريق الذي تعرض له استوديو مصر مؤخرًا، عادت الأضواء لتسلط على هذا الصرح التاريخي الذي يُعد أحد أهم أعمدة صناعة السينما المصرية، ومع هذا الحدث تبرز الحاجة إلى حماية التراث الفنى الذى حمل تاريخ السينما منذ نشأتها.
وما بين سطور كتاب "قصة السينما" للناقد سعد الدين توفيق الصادر عام 1969، نجد رواية شاملة تكشف كيف تحول ستوديو مصر إلى مدرسة فنية رسمت ملامح الإنتاج السينمائي الحديث.
ستوديو مصر.. ميلاد مدرسة فنية حقيقية
يشير الكتاب إلى أن ظهور استوديو مصر فى الفترة ما بين 1936 و1944 كان نقطة تحول غير مسبوقة، ففى الوقت الذى كانت صناعة السينما تعتمد على منتجين أفراد محدودي الإمكانيات، ظهر كيان ضخم هو شركة مصر للتمثيل والسينما، التى امتلكت استوديوهات حديثة، ومعامل للتحميض والطبع، وأجهزة لتسجيل الصوت، بل ودور عرض خاصة بها، وهو ما لم يتوفر لأى شركة سينمائية أخرى فى مصر آنذاك، مما منحها القدرة على إنتاج أفلام بمستوى تقني وفني يفوق السائد فى تلك الحقبة.
نظام عمل هوليوودى فى قلب القاهرة
اعتمد ستوديو مصر نظامًا جديدًا على السينما المصرية، حيث عمل الفنانون والفنيون كموظفين بعقود ثابتة، تمامًا كما هو معمول به فى استوديوهات هوليوود، فكان هناك فريق كامل من المخرجين والسيناريست والديكور والمصورين والمونتاج وغيرهم، كما تعاقد الاستوديو مع نجوم كبار مثل أنور وجدي وعقيلة راتب، وهو نموذج لم تعرفه السينما المصرية قبل ذلك.
هذا الاستقرار انعكس بشكل مباشر على جودة الأفلام، حيث أصبح المخرج يعمل دون خوف من توقف العمل أو ضغوط المنتجين، مما وفر بيئة تتيح فنًا حقيقيًا يعتمد على التخطيط والإبداع وليس الاستعجال.
إبداع بلا قيود.. كيف صنع الاستوديو نقلة فنية؟
أتاح النظام الجديد للمخرجين حرية كاملة فى تنفيذ رؤيتهم الفنية، فلم يعد أحدهم مضطرًا لحذف مشاهد ضخمة أو الاستغناء عن ممثل مناسب بسبب الكلفة، كما لم يعد مترددًا فى الاستعانة بعدد كبير من الكومبارس أو إنشاء ديكور كامل لخدمة مشهد مهم، وهو ما خلق مستوى إنتاجيًا لم تعرفه السينما المصرية من قبل، ليصبح الاستوديو بالفعل مدرسة الفن ومرجعًا لجودة الصناعة.
أشهر أفلام ستوديو مصر.. إرث لا يُنسى
قدّم ستوديو مصر مجموعة من أهم الأفلام فى تاريخ السينما المصرية، ومنها: وداد – الحل الأخير – سلامة في خير – لاشين – العزيمة – على مسرح الحياة – مصنع الزوجات – الحياة كفاح – قضية اليوم – أرض النيل – سيف الجلاد – ترام وانتقام، وهذه الأعمال شكلت ما يصفه الكتاب بـ "فترة مدرسة ستوديو مصر" التى رفعت معايير الإبداع السينمائي.
بهذه الإمكانيات والرؤية، لم يكن ستوديو مصر مجرد مكان لتصوير الأفلام، بل كان مؤسسة تعليمية وفنية صنعت جيلاً كاملاً من المبدعين، ولا يزال أثرها حاضرًا فى كل لقطة من تاريخ السينما المصرية، ما يجعل الحفاظ عليه اليوم ضرورة لا تحتمل التأجيل.
















0 تعليق