شهدت القاهرة حدثًا ثقافيًا وسياسيًا بارزًا، تمثل في توقيع عدد من الاتفاقيات التي تعكس عمق العلاقات التاريخية بين مصر والجزائر، وذلك بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وسيفي غريب، الوزير الأول للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، عقب ترأسهما أعمال الدورة التاسعة للجنة العليا المصرية الجزائرية المشتركة.
وخلال المراسم وقع الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة المصري، ويحيى بشير، وزير الصناعة الجزائري، البرنامج التنفيذي للتعاون الثقافي للأعوام 2025 – 2028، وهو اتفاق يفتح آفاقًا جديدة للتبادل الثقافي وتعزيز التواصل بين المؤسسات الفنية في البلدين، كما جرى توقيع مذكرة تفاهم بين دار الأوبرا المصرية وأوبرا الجزائر لتبادل العروض الموسيقية والاستعراضية وتنظيم برامج فنية مشتركة.
وفي السياق ذاته، تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الأرشيف بين الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية والمديرية العامة للأرشيف الوطني بالجزائر، واختُتمت المراسم بتوقيع محضر الدورة التاسعة للجنة العليا المشتركة، مما يؤكد استمرار الزخم في العلاقات الثنائية.
وأشار الدكتور أحمد فؤاد هنو، عقب مراسم التوقيع، إلى أن الاتفاقيات "تعكس حرص البلدين على توثيق الروابط الثقافية وتعزيز الشراكة في مجالات الإبداع والتراث والفنون"، مشيرًا إلى مرحلة مقبلة ستشهد مشروعات مشتركة تُثري المشهد الثقافي العربي وتعمّق التعاون المصري الجزائري.
جذور تاريخية وروابط لا تنقطع
تعد العلاقات الثقافية بين مصر والجزائر نموذجًا متفردًا للتفاعل العربي–العربي، حيث تجمع البلدين روابط عميقة تمتد عبر التاريخ الحديث والقديم على حد سواء، فقد كانت مصر دومًا مركز إشعاع ثقافي وحضاري في العالم العربي، تنظر إليها الجزائر باعتزاز كبير، وقد أسهمت مصر بنصيب وافر فيما حققته الحضارة العربية والإسلامية من نهضة وحداثة، وكان لأعلامها ومثقفيها وفنانيها أثر كبير على العالم العربي، بمن فيهم الشعب الجزائري.
ولطالما كانت الجامعات المصرية مقصدًا للطلاب الجزائريين، فيما بقي المثقفون المصريون جزءًا من وجدان الجزائر عبر عقود طويلة من التفاعل والتأثير المتبادل.
تقدير جزائري لمصر ورموزها الثقافية
ومن أبرز مظاهر التقدير الجزائري لمصر ورموزها، التكريم الاستثنائي الذي منحه الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة للفنان المصري محمد فوزي، ملحن النشيد الوطني الجزائري "قسَمًا"، فقد منحه وسام الاستحقاق الوطني وقرر إطلاق اسمه على المعهد الوطني العالي للموسيقى، اعترافًا بدور الفنان المصري الذي منح الجزائر واحدًا من أعظم أناشيد التحرر في العالم.
كما شكل الفيلم المصري "جميلة بوحيرد" الذي أخرجه يوسف شاهين وأنتجته الفنانة ماجدة عام 1958، أهم عمل فني مجد الثورة الجزائرية وخلد بطولات المجاهدين، وهو العمل الذي ظل حاضرًا بقوة في الذاكرة الوطنية الجزائرية.
تبادل ثقافي مستمر ومشاركات بارزة
تجسد عمق التعاون الثقافي بين مصر والجزائر في مشاركات متبادلة على مدار العقود، حيث تحرص الدولتان على حضور فاعل ومكثف في الفعاليات الثقافية الكبرى: مشاركة مصر في قسنطينة عاصمة الثقافة العربية (2015)، وتقديم عروض لفرقة الموسيقى العربية التابعة لدار الأوبرا احتفالًا بذكرى الفنانة الجزائرية وردة، مصر ضيف شرف الصالون الدولي للكتاب بالجزائر في دورات عدة، الجزائر ضيف شرف معرض القاهرة الدولي للكتاب 2018، مشاركة مصر الدائمة في مهرجان وهران للسينما العربية وتكريم الفنانين المصريين فيه، مشاركة مصر في المهرجان الثقافي الإفريقي بالجزائر (2009) بوفد ضخم ضم 72 فنانًا وشاعرًا ومثقفًا، أسبوع الفيلم المصري بالجزائر (2004)، "ليالي البهجة" التي نظمتها مؤسسة "الأهرام" في الجزائر في نفس العام، أسابيع ثقافية متبادلة في 2006 و2008 و2016، وحفلات الأوركسترا السيمفونية المصرية (أكتوبر 2022) ضمن المهرجان الثقافي الدولي للموسيقى السيمفونية بالجزائر.
حضور واسع
يحظى الفنانون والمثقفون المصريون باستقبال استثنائي في الجزائر، إذ لا يخطو ممثل أو مطرب أو شاعر خطوة إلا ويحتفي به الجمهور الجزائري بحب كبير، وتقام حفلات المطربين المصريين في ملاعب كرة القدم لاستيعاب عشرات الآلاف من الجماهير، ومن الشخصيات التي تركت أثرًا عميقًا في الجزائر: الشيخ محمد الغزالي، الذي استقبل استقبالًا حافلًا وصار مرجعية دينية أساسية في الجزائر عام 1984، بدعم من الرئيس الشاذلي بن جديد، الشيخ إمام عيسى والفاجومي أحمد فؤاد نجم، اللذان عاشا في الجزائر سنوات عدة واحتفي بهما بشكل كبير، وتزوج نجم من ممثلة المسرح الجزائري الأولى سونيا ميكيو، في دلالة على انصهار ثقافي وإنساني نادر.
وفي المقابل، أحب المصريون الثقافة الجزائرية، خاصة موسيقى الراي التي تحظى بشعبية واسعة في مصر، وكان اختيار الفنان الجزائري الشاب خالد لأداء الأغنية الدعائية لمؤتمر شباب العالم في شرم الشيخ عام 2017 خير دليل على هذا الارتباط الوجداني.
زيارات ثقافية رفيعة المستوى
شهدت السنوات الأخيرة زيارات رسمية عززت العلاقات الثقافية، أبرزها: زيارة وزيرة الثقافة الجزائرية صورية مولوجي إلى القاهرة في فبراير 2022، حيث أكدت متانة العلاقات الثقافية ودعت إلى اتفاقيات في الإنتاج السينمائي والمسرحي لتعزيز التبادل الفني، زيارة المناضلة جميلة بوحريد إلى مصر في فبراير 2018 للمشاركة كضيف شرف في مهرجان أسوان لسينما المرأة، حيث استقبلها وزير الخارجية سامح شكري، مشاركة وزير الثقافة الجزائري الأسبق عز الدين ميهوبي في مؤتمر تجديد الخطاب الثقافي بالقاهرة عام 2016، وبحثه مع الجانب المصري تنظيم فعاليات ثقافية متبادلة، كما برز الحضور المصري في مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون بالجزائر (مايو 2016)، حيث حصلت مصر على 19 جائزة من أصل 1500 مشاركة عربية.
لغة مشتركة بين الشعبين
تلعب الدراما المصرية دورًا مهمًا في تعزيز التفاهم بين البلدين، إذ تعرض الأعمال المصرية على القنوات الجزائرية بشكل مستمر ويحظى الممثلون المصريون بشعبية كبيرة هناك.
كما يسعى البلدان إلى تفعيل التعاون الإعلامي بين القنوات الفضائية لنقل صورة واقعية عن الشعبين، وتعزيز التواصل المجتمعي والثقافي.













0 تعليق