.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
تساءلتُ بيني وبين نفسي: من هذه التي تجلس فوق المقعد الخشبي، وخلفها باقة من زهور الحديقة يحيط بها البنفسج؟ كانت جلستها تنطوي على مهابةٍ وعمق، ونظرةٍ يغضّ لها الكبرياء طرفه. من تكون؟ أهي روحٌ تائهة من عالم الملكوت، سقطت في حديقة الأرض، فجلست كملاكٍ ينتظر ساعة العودة إلى السماء؟
لصمتها حدٌّ عجيب، ولوجهها سطوةٌ غريبة على النفوس. كأنها قادمة من مكانٍ لا نعرفه، وسوف تعود في مساءٍ أخير، ترتفع من فوق أريكتها على جناحي طائر عظيم، فيعلو بها إلى الأفق الأعلى، ولن تعود ثانية. ويظل المكان يحكي قصتها كلما أشرق الصبح للعائدين من سنوات العذاب، فيلطف أرواحهم المتعبة.
ــ هل رأيت وردةً زرقاء من قبل؟
ــ كانت هي... ترتدي أوراقها الزرقاء، ويفوح من جلستها عبيرٌ تلتهمه الأنوف. أقسم لك، رأيتها متفتحة، أشم شذاها، عبقٌ يتسلل إلى أنفي وعقلي.
ــ إنك مجنون.
ــ أقسم لك، كانت تصاحب الندى، تهبط الدرجات، وتجلس هناك في مكانها المعهود على تلك الأريكة.
ــ هل قالت شيئًا؟ هل أومأت؟ هل منحتك طرف عين؟
ــ إنها لا تمنح الفقراء شيئًا.
ــ أيعنيها المال؟
ــ لا... بل فقراء الروح.
ــ الوردة الزرقاء؟ أنت تهزأ بي. لا وجود لورودٍ زرقاء.
ــ بل رأيتها هناك وسط الحديقة، تجلس بين الزهور على أريكة خشبية، عيناها ساهمتان غارقتان في الأفق، تمنحانه بعض إشراقها، وابتسامتها تبعث في الهواء نفحاتٍ من أريج تستقبله الوجوه.
ــ لقد أصابت عقلك آفة. لا وجود لوردة تجلس فوق المقاعد ولا تمنح الأفق شيئًا. هذا خيالك المريض.
ــ أنت محق... فمن يراها لا بد أن يعتل، ويصاب في قلبه.
ــ استرح، وسوف تعود كما كنت.
ــ أتظن ذلك؟
ــ أثق.
ــ إنك لا تعرف. داء القلب حين يصيبه عبق الورود مرضٌ أزلي، يلتصق بجدرانه، ولا خلاص منه إلا أن يتوقف عن النبض.
ولعلها نسيجٌ خاص من النساء، نادرٌ لا يتكرر إلا بعد سنين طويلة، أو لعلها عزفٌ منفرد يبهرك بابتكاره ونغماته. كانت شاهدًا حيًّا على وجود نمطٍ من البشر تتجسد فيه براعة الإطلالة وسحر الجاذبية.
ابتسامتها تنتزع منك القلق، وتمنحك رضا خفيًّا، كأنك تعرفها منذ زمن بعيد. ملامحها تعكس نقاءً رحبًا كمساحات السماء، تنشرح لها الصدور، وتهيم معها الروح كطائر بين حدائق غنّاء. وفي تلقائيتها نفاذٌ آسر، يشد عينيك إليها، كأن سحرًا خفيًّا يقودك نحو عوالم علوية من الصفاء والنقاء.
لم يكن جمالها مجرد حضورٍ جسدي يملأ العين ويُدهشها، بل كان جمالًا متكاملًا؛ ما يُرى منها، وما يفيض عنها من إحساس وروح، وما توحي به من طيبة وسماحة ونقاء سريرة.
قلت لك مرارًا: ليس لي معرفة بمن يهبطون من السماء، ومن أين لي تلك المعرفة؟ كل ما في الأمر أنه كان مصادفة عجيبة؛ حين رأيتها هناك بين الخمائل، تتوسط أريكتها كأنها عرش مهيب، تجلس إلى الشمال قليلًا، ويداها ناعستان فوق حقيبتها، وحذاؤها الذهبي يزين قدميها في مسحة يمتزج فيها الجمال بالدلال.
كل شيء فيها كان باعثًا على الحيرة: أهو وجه طفلة في مهدها الأول، أم وجه امرأة استعارت منها الأنوثة زينتها؟ ميل جيدها، وشبه ابتسامة توقظ في الروح رهبة التأمل، وجلستها التي فيها من الاتزان والتعقل ما يربك القلب ويأسره؛ كل ذلك كان يترك في النفس أثرًا لا يُمحى بسهولة.
ــ هل رأيتها؟ هل عادت؟
ــ نعم، رأيتها هناك، جالسة على مقعدها الوثير في الهزيع الأخير من الليل، تطل على الأفق كعادتها، وتنشر شذاها عبر قطرات الندى المتساقطة.
ــ هل قالت شيئًا؟ هل حدثتك؟
ــ لا... إنها لا تعلم بوجودي أصلًا. أنا فقط أختلس إليها النظر من بين الأحراش، وأتأملها من خلال الأشجار الكثيفة. أتطلع إليها كما تتطلع هي إلى الأفق، وأطيل النظر حتى يثقل رأسي ذلك الجمال، فلا أشعر إلا وأنا مخمور، أهيم بين البساتين وأريجها، أبحث عن مأوى.
ــ فما دمت كذلك، هلا أخبرتها بما عندك؟ بما تحمل بين ضلوعك من أرق متواصل وصمت قاتل؟
ــ يا صديقي، أنت طيب القلب... لكنها لا بد متوجة، تجلس على عرش من عروش الحياة، وأنا ـ كما تعلم ـ لا أملك إلا الكلمات، وقلبًا أتلفه الحنين، وعقلًا أسكرته العينان. فما أنا بصالح لخوض غمار الحياة بعد أن سلبتني كل شيء، ووهبتني العناء ووسام الشقاء، وجعلت من حياتي مسرحًا يعبث فوق خشبته المهرجون.
ــ دائمًا أنت يائس. ألا تطعم حياتك بشيء من الأمل؟
ــ أنا غير ما تظن. ما من أحد يحمل من الأمل مثلي، ولولاه لما عشت حتى الآن. أنا أجاهد من أجل البقاء. فالحياة تنزف فوق أيدي من ذبحها بكل قسوة، وأنا أقف أمام جثتها، أمد لها يد العون كي لا تموت في عينيّ. أطهّر جرحها الغائر، وأطعمها ـ على قدر استطاعتي ـ من غذاء رديء، لكنها تئن وتتأوه وتغيب عن الوعي، وأنا رابض بجوارها أمنحها أملًا ضئيلًا كي تبقى.
سنوات وأنا أرقّع هيكل الحياة الذي لا حياة فيه، أخدعها وأخدع نفسي، وأبقيها رغم ما بها من طعنات وجروح. هي ميتة يا صديقي، لكنني لا أريد أن أعترف لها بالموت.
ثم تقول لي: امنح نفسك شيئًا من الأمل.!
لو سألت الأمل نفسه لقال لك: إنني أنا أيضًا أمنح الأمل أملًا، وأمدّه بوقود من عاطفتي.
ــ إني أعتذر لك. ما كنت أعلم أن للشقاء دركات، وأنك تقيم في الدرك الأسفل منه، ورغم ذلك تطعمه بالوهم والخيال من جنان تمنحه بعض البقاء.
ــ لا تعتذر. إنما أنا كما ترى. وفي رؤية تلك الوردة الزرقاء شيء من هذا الأمل الموهوم، أمد به قلبي ببعض البقاء، رغم يقيني أننا لن نلتقي أبدًا، ولن تتصافح العيون ولا الوجوه.
كل ما أريده أن تبقى هناك، فوق مقعدها، تزور الغبطة قلبي دون أن ترى أو تعرف، ودون أن تتلاقى القلوب على مائدة الذبح والتشريد.
ــ وهل هذا يكفي؟ وإلى متى؟
ــ يكفي يا صديقي... إنه يكفي. ولا أنتظر أكثر من هذا. كل الخوف أن ترحل تلك اللحظات، أن تذهب بعيدًا، ولم تعد لدي القدرة على خوض المعارك.
نعم، إن لي قلبًا حيًّا يغلي كالمرجل مما تسعر فيه من حرائق لا تنتهي، لكن بإمكان الوردة أيضًا أن تسكب من رحيقها فوق البراكين، فيصمت كل شيء، وتعيش الروح في رحاب الجلال والوقار والحسن، فتهبك من الكفاف ما تحيا به قليلًا.
كيف أنا الآن؟
أظنك تظن أنني برئت من عبق وردتي الزرقاء، وأنها أصبحت طيفًا مرّ كما مرّت مئات الأطياف، كان لها أثر ثم ولى، وأصبح رمادًا بعد أن كان حريقًا يلتهم الروح.
لكنك تعلم حقيقتي، وتتغافل عنها. تعلم أن هروبي لم يكن عن جفاء، بل لأحتفظ بأنفاس أعيش بها بين الناس، كي لا أحترق وأتلاشى كذرات تتناثر في فضاء العشق.
أنت لا تذكرني لأنني لم أنسَ. أنت فقط تشد أوتار قلبي لتصنع لحنًا حزينًا تبكي به روحًا شاردة أصابتها طلقة في الوتين. فهي كالطير المذبوح ينتفض ويحاول التحليق، يكابر وهو يعلم أن إصابته قاتلة، فلا عزاء له سوى الخداع والوهم.
هكذا أنا، وسأظل.
ولعلها الآن جالسة على أريكتها، لا تدري بتلك الحرائق التي تشعلها نظرتها، ولا تعلم أن وجودها البعيد صار لبعض الأرواح المنهكة نافذة صغيرة على الرجاء.
فالوردة الزرقاء لم تكن وعدًا باللقاء، ولا حلمًا ينتظر التحقق، بل كانت المعنى الذي يبقي القلب قادرًا على النبض، والجمال الذي يذكّر الإنسان، وسط الخراب، بأن في هذا العالم ما يستحق التأمل، وما يستحق أن نحيا من أجله قليلًا.












0 تعليق