.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
قدم موقع "ديلى ميل البريطاني"، كتاب "أنا فيرا" بقلم ميراندا سيمور والذى يتناول قصتها بالكامل لتكشف لنا واحد من ألمع الجراحات التي لا تعرف المستحيل، حيث قالت الكاتبة: في أحد أيام عام 1915، اقتحم "راسبوتين" الراهب سيئ السمعة، مستشفى سانت بطرسبرج الذي أسسته راعيته المتحمسة الإمبراطورة ألكسندرا.
وأعلن الراهب السيئ السمعة المثير للجدل أنه جاء ليصنع معجزة، وبدأ يتظاهر بالصلاة على مريض في حالة حرجة، غير أنه لم يضع في حسبانه المرأة الطويلة التي كانت تراقب المشهد بهدوء من إحدى الزوايا.
كانت تلك المرأة هي الدكتورة "فيرا جيدرويتس"، الجراحة الوحيدة في روسيا آنذاك، والطبيبة التي أنقذت حياة عدد لا يحصى من الجنود في ساحات القتال، وبهدوء وثقة اكتسبتهما عبر عقود من الخبرة، تجاهلت فيرا استعراضات "راسبوتين" الأنانية، واقتادته إلى باب الجناح قبل أن تدفعه إلى الدرج المظلم، ويمكن اعتبار تلك الحادثة مثالاً على حزمها ورفضها للخرافة عندما يتعلق الأمر بحياة المرضى.
غلاف الكتاب "أنا ..فيرا"
الجراحة كرست حياتها لخدمة الطب والإنسانية:
في هذه السيرة اللافتة، تروي الكاتبة ميراندا سيمور القصة المذهلة لفيرا جيدرويتس، أول أستاذة جراحة في روسيا، وإحدى الشخصيات التي كرست حياتها لخدمة الطب والإنسانية.
الجراحة منذ صغرها
على الورق، بدت خلفية فيرا الأرستقراطية مميزة؛ فوالدها، الأمير إغناتيوس جيدرويتس، كان نبيلاً ليتوانياً، إلا أنه كان أيضاً رجلاً متسلطاً ومنحلاً، اشتهر بعلاقاته المتعددة وإنجابه أطفالاً من الخادمات، أما والدتها فكانت تعاني من إدمان الكحول وميول انتحارية، وسط هذا الجو المضطرب، برزت جدتها الحبيبة، التي كانت تدير مدرسة القرية، بوصفها أول من آمن بذكاء الفتاة الصغيرة وشخصيتها الاستثنائية، تلك الطفلة التي أصرت على قص شعرها وارتداء ملابس الأولاد.
كانت القرية تعاني معدلات وفاة مرتفعة بسبب انتشار التيفوس والسل والدفتيريا بين السكان الفقراء، وقد تركت هذه المآسي أثراً عميقاً في نفس فيرا، إذ فقدت ابن عمها المفضل بسبب التيفوس، ثم شاهدت شقيقها الأصغر سيرجي يموت بالمرض نفسه، عندها اتخذت قرارها المصيري: أن تصبح طبيبة وتكرس حياتها لإنقاذ المرضى والفقراء.
نجحت في إقناع والديها بالسماح لها بالالتحاق بالجامعة في سانت بطرسبرج، حيث انخرطت في النشاط السياسي الطلابي الثوري، ومع ازدياد ملاحقة الشرطة للنشطاء، هربت إلى لوزان في سويسرا عازمة على الدراسة على يد الجراح الشهير "سيزار رو"، أحد أبرز جراحي عصره، ويعكس هذا القرار مقدار ثقتها بنفسها، إذ وصلت إلى سويسرا من دون أن تؤمن لنفسها مقعداً جامعياً مسبقاً.
غيرة أصدقائها من نجاحها:
وسرعان ما أدرك رو موهبتها الاستثنائية، فاختارها لتكون مساعدته، متجاوزاً عشرات الأطباء الشباب الموهوبين، وكما كان متوقعاً، أثار ذلك الغيرة بين زملائها، ففي إحدى حصص الكيمياء، سكب طالبان الحمض على تنورتها "عن طريق الخطأ" غير أن فيرا لم تبد منزعجة، بل علقت قائلة: "بعد العمل مع الطلاب في سانت بطرسبرج، اعتدت على مثل هذه الأمور".
وعندما حان وقت عودتها إلى وطنها، أهدى إليها رو مجموعة من الأدوات الجراحية السويسرية الدقيقة، وهي معدات لم يكن لها مثيل في روسيا آنذاك.
اجرت 200 عملية جراحية عام 1902
ترسم سيمور صورة حية لعمل فيرا في مصنع "أسمنت مالتسوف"، حيث كانت تعالج العمال المصابين، فتخيط الأطراف المتهشمة بسبب الآلات وتبتر ما يستحيل إنقاذه منها، وكانت من أوائل الأطباء الروس الذين أصروا على توفير بيئة جراحية معقمة، وقد جاءت النتائج مبهرة، فبحلول عام 1902 كانت قد أجرت مئتي عملية جراحية من دون تسجيل حالة وفاة واحدة.
وبوصفها ناشطة راديكالية طوال حياتها، وإن كانت تعتز بلقبها كأميرة، فوجئت عام 1909 باستدعائها من الإمبراطورة ألكسندرا لتصبح الطبيبة المشرفة على بناتها الأربع، ولم يكن سجلها المهني، المليء بالعمليات الجراحية الميدانية خلال الحرب الروسية اليابانية، يوحي بأنها ستعمل يوماً في خدمة البلاط الإمبراطوري.
لكن "ألكسندرا"، التي نشأت مفتونة بقصص فلورنس نايتينغيل، أصرت على أن تتولى فيرا تدريبها هي وبناتها على التمريض، استعداداً لما بدا أنه حرب أوروبية كبرى تلوح في الأفق.
وكان البروتوكول الملكي يفرض أن تصحح الأميرة أخطاء تلميذاتها الملكيات على انفراد لا أمام الآخرين، كما كان يطلب من الدكتورة "جيدرويتس"، صاحبة البنية القوية، أن تجلس في الصور الرسمية حتى لا تبدو أعلى مكانة من أفراد أسرة "رومانوف" الأقصر قامة.
ومع تدفق الجنود الجرحى يومياً من الجبهة الشرقية عام 1915، أصبحت فيرا من أبرز الخبراء في إصابات البطن، كما أسهمت في تطوير جراحات ترميم الوجه، فقد كان بعض الجنود يصلون إلى المستشفى بفكين محطمين ولم يتبق من ألسنتهم سوى جذوع مشوهة، ثم يغادرون وهم يمتلكون فرصة حقيقية للكلام مجدداً والتعافي.
وخلال أشهر العمل المشترك في زمن الحرب، توطدت العلاقة بين فيرا ومساعداتها الملكيات، رغم أن الطبيبة كانت ترتدي الملابس الرجالية، وتستخدم ضمائر المذكر، وتدخن السجائر الملفوفة بكثرة.
وعلى الرغم من عدائها التقليدي للنظام الملكي، انهارت فيرا بالبكاء عندما علمت بوضع العائلة الإمبراطورية تحت الإقامة الجبرية في مارس 1917، قبل اغتيالها لاحقا، ومع ذلك، عندما تلقت رسائل تهنئة بعيد الفصح هربت إليها من الإمبراطورة وبناتها، امتنعت عن الرد، فقد أدركت أن أي إشارة إلى التعاون مع النظام الإمبراطوري السابق قد تدمر حياتها المهنية، وربما تعرض حياتها للخطر في ظل النظام الشيوعي الجديد.
وفي أغسطس 1917، عينت عضواً في اللجنة التنفيذية للمجلس الصحي المكلف بإصلاح نظام الرعاية الصحية الروسي.
لكن مع صعود ستالين إلى السلطة عام 1922، أصبح من الواضح أن مستقبلها لن يكون آمناً، لذلك انتقلت مع شريكة حياتها، الكونتيسة ماريا نيرود، إلى أوكرانيا التي كانت تقاوم هيمنة الكرملين، وفي عام 1929 اعتقلت المرأتان، اللتان عاشتا علناً كشريكتين للحياة، وسجنتا عدة أشهر.
خضعت فيرا لتجربة قاسية مروعة
ولا تعرف سيمور على وجه اليقين ما الذي تعرضتا له خلال فترة الاعتقال بسبب تضارب المصادر، لكنها ترجح أن التجربة كانت قاسية ومروعة، ولم تستعيدا حريتهما إلا بعد تدخل مسؤول رفيع المستوى كانت فيرا قد أنقذت حياته في وقت سابق.
ومع ذلك، رفضت فيرا الاستسلام، ففي غضون أشهر عادت إلى العمل، وأصبحت أستاذة للجراحة في عدد من مستشفيات كييف، غير أن حياتها انتهت مبكراً عندما توفيت بالسرطان عام 1932، لكن إرثها لم ينسى ففي عام 2023 أطلقت مدينة كييف اسمها على أحد شوارعها تكريماً لخدماتها الإنسانية والطبية الاستثنائية.














0 تعليق