.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
القوى الناعمة المصرية.. جامعة القاهرة نموذجا
تحدثت فيما سبق عن الأزهر، وكيف كان الأزهر وجامعة الأزهر وسيلة من وسائل القوى الناعمة المصرية، وفي هذه المقالة أتحدث عن أعرق الجامعات المصرية، بل والعربية، وأشهرها في العالم، وهي جامعة القاهرة.
ولا شك أن جامعة القاهرة حملت مشعل التطوير والتنوير لأجيال كاملة من المثقفين المصريين والعرب، ومن الدول الإسلامية والآسيوية والأفريقية، وأحيانا من الدول الأوروبية، وهذا الدور الذي لعبته جامعة القاهرة يعد من مظاهر القوى الناعمة، ليس لأن خريجي جامعة القاهرة من المصريين كانوا ولا يزالون من أهم عناصر التنوير في العالم العربي والعالم، ولكن الأهم أن خريجي جامعة القاهرة من غير المصريين نالوا التقدير والاهتمام في بلدانهم، بل وأصبحوا من أعمدة الثقافة بها، وأصبحوا يشغلون أهم المناصب والمراكز، بل وأسسوا مدارس وطنية للعلم والثقافة تقوم في أساسها على تقاليد جامعة القاهرة.
ولعل فكرة إنشاء جامعة للعلوم العصرية على أرض مصر كانت في عهد محمد علي، الذي بدأ في إنشاء سلسلة من المعاهد العلمية والمدارس للهندسة والطب ومختلف العلوم العصرية، على أن حجر الأساس للجامعة المصرية تم في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، وذلك في أوائل القرن الماضي.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن كل الاتجاهات الوطنية وزعماء الحركات السياسية، وكذلك رموز العمل الوطني من أهل الفكر والفن، عملوا وبقوة على دفع الفكرة إلى حيز التنفيذ، وكانت مصر في ذلك الوقت تحت الاحتلال البريطاني، الذي لا شك رأى في وجود جامعة مصرية وطنية خطرًا على وجوده في مصر، لأنه كان يدرك أن تنوير العقول وزيادة عدد المثقفين والعلماء ليس في صالحه كقوة غاشمة مستعمرة.
ولذا فقد عارضت إنجلترا في ذلك الوقت المشروع بكل قوتها، ولكن إصرار الشعب المصري ورموزه على افتتاح الجامعة الوطنية جعل الحلم حقيقة، والفكر واقعًا يعيشه الناس في مصر، وتم افتتاح الجامعة في 21 ديسمبر 1908، وساهمت الحكومة المصرية في دعم الجامعة حينذاك بمبلغ 2000 جنيه مصري، وفُتح باب الاكتتاب أمام الشعب الذي ساهم في دعم الجامعة بكل طوائفه، وكان اسم جامعة القاهرة وقتذاك الجامعة الأهلية المصرية.
وكان مقرها في المكان الذي يشغله الجزء القديم من الجامعة الأمريكية في القاهرة، وعلى وجه التحديد في ميدان التحرير، على أن الموقع الحالي للجامعة يعود الفضل فيه إلى الأميرة فاطمة، التي تبرعت بالأرض التي أُقيمت عليها الجامعة، بل وتبرعت بكل ما تملك من مجوهرات من أجل عمارة هذه الجامعة الوليدة، وتزامن نشأة جامعة القاهرة مع بناء المتاحف الكبرى في القاهرة، مثل متحف الآثار المصرية في ميدان التحرير، ومتحف الفن الإسلامي في باب الخلق، ودار الكتب المصرية في نفس المكان، وكذلك المتحف القبطي في مصر القديمة، وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على صحوة فكرية وثقافية كبرى في تلك المرحلة.
وأصبحت جامعة القاهرة ركيزة هامة من ركائز الحركة الوطنية في مصر، ومنها خرجت المظاهرات الكبرى في ثورة 1919، والتحق الكثير من طلبة جامعة القاهرة بالمقاومة الشعبية في حرب فلسطين 1948.
وكذلك شكلت جامعة القاهرة كتائب للفدائيين من طلبتها في عام 1956 لصد العدوان الثلاثي على مصر في مدينة بورسعيد، وبعد نجاح ثورة يوليو 1952 تم تغيير اسم الجامعة الأهلية ليصبح جامعة القاهرة، نسبة إلى المدينة العظيمة القاهرة عاصمة مصر، وزاد بمرور الوقت عدد الكليات والمراكز البحثية إلى أن أصبحت جامعة القاهرة تضم الآن ما يزيد على 21 كلية وأربعة معاهد وثلاثة مراكز بحثية، وعمارة جامعة القاهرة عمارة فريدة.
ولعل أبرز ما يميزها قاعة الاحتفالات الكبرى، والتي يُطلق عليها قبة جامعة القاهرة، وهي قبة ضخمة تقع عند المدخل الرئيسي للجامعة، وأصبحت هذه القبة، التي يبلغ ارتفاعها ما يزيد على 52 مترًا، رمزًا لجامعة القاهرة، وإلى جوار القبة يوجد برج الساعة، أو ساعة جامعة القاهرة، الذي بُني عام 1937 بارتفاع 40 مترًا، ويُعد هذا البرج أقدم وأشهر ساعة على مستوى العالم بعد ساعة بيج بن.
وأصبحت جامعة القاهرة قبلة لكل من يرغب في التعلم في العالم العربي والعالم الإسلامي، وساهمت جامعة القاهرة من خلال منشآتها المعمارية، وخاصة القبة أو القاعة الكبرى، في أن تتحول إلى منبر لرؤساء مصر حينما يتحدثون إلى الشعب أو يخاطبونه في المناسبات الوطنية، فمن القاعة الكبرى تحدث جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك، والرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الشعب من فوق منبر جامعة القاهرة. وأسفل القبة تحدث رؤساء الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، وفرنسا، وتركيا، والصين وغيرهم، كما شدت من أسفل قبة جامعة القاهرة كوكب الشرق أم كلثوم بأجمل أغانيها الوطنية والعاطفية، والتي تغنت في بعضها بالعلم والعلماء، وخاصة خريجي جامعة القاهرة.
ولا شك أن قوى مصر الناعمة قد تجسدت أيضا في أن جامعة القاهرة قد تخرج فيها العديد من رؤساء الدول، على سبيل المثال لا الحصر: حاكم الشارقة الشيخ القاسمي، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والرئيس العراقي صدام حسين، والرئيس عدلي منصور، وتخرج فيها مئات الوزراء العرب، كما حصل بعض من خريجي جامعة القاهرة على أعلى الجوائز العالمية، وهي جائزة نوبل، مثل الروائي العالمي نجيب محفوظ، ولعل أبرز من تخرجوا أيضا في جامعة القاهرة كان عميد الأدب العربي طه حسين، ومصطفى مشرفة، والجراح العالمي مجدي يعقوب، وعالم الفلك الكويتي صالح العجيري، وعالمة الذرة المصرية سميرة موسى، وغازي العصيمي الدبلوماسي السعودي المشهور، والشاعر والأديب زكي نجيب محمود الفيلسوف المعروف، وعمرو موسى وزير الخارجية المصري وأمين جامعة الدول العربية الأسبق.
كما أن جامعة القاهرة قد منحت الدكتوراه الفخرية للعديد من حكام ورؤساء الدول، وعلى رأسهم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وأقدمهم ربما روزفلت، وملك إيطاليا، ورئيس وزراء إيران، وحاكم كمبوديا، وملك أفغانستان، ورئيس جمهورية باكستان، ورؤساء السنغال وتنزانيا وفرنسا وزامبيا، ورئيس جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا المناضل المشهور، والملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود خادم الحرمين الشريفين.
وإسهام جامعة القاهرة في المحيط الإقليمي كان ولا يزال يمثل حجرا أساسيا في قوى مصر الناعمة، ولا شك أن توسع جامعة القاهرة في الوقت الحالي، حيث أصبح لها فرع دولي في منطقة 6 أكتوبر، وعلى وجه التحديد في منطقة الشيخ زايد، وأيضا فرع للجامعة الأهلية المصرية التي تذكرنا بالتاريخ الأصلي والتاريخ القديم لجامعة القاهرة.
كل هذه الأشياء سوف تساهم وبشدة وبقوة في استقطاب العناصر الشبابية من شباب مصر الراغبين في التعلم والتثقف والحصول على أحدث العلوم وبلوغ مستوى عالٍ من القدرات المعرفية، وأيضا من العالم العربي، بل لا أبالغ إذا قلت من العالم أجمع، وهذا لا يمثل إلا استمرارا لدور جامعة القاهرة في تشكيل الوعي الفكري والوعي الثقافي الإقليمي، ويمثل أيضًا حجر الأساس في قوى مصر الناعمة، بل يمثل ركنًا هامًا من أركان الشخصية والهوية المصرية، بل لا أبالغ إذا قلت إنه إذا ما ذكرت كلمة "جامعة" انطلق فكر الإنسان العربي، أيا كان موضعه، إلى جامعة القاهرة.
















0 تعليق