بداية عصر الترجمة في مصر.. كيف صنع محمد علي نهضة المعرفة الحديثة؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

شهدت مصر مع بداية القرن التاسع عشر ميلاد واحدة من أهم الحركات الثقافية والفكرية في تاريخها الحديث، وهي حركة الترجمة، التي ارتبطت بمشروع التحديث الذي قاده محمد علي باشا بعد سنوات من الفوضى التي أعقبت خروج الحملة الفرنسية من البلاد.

فبعد اضطراب الأوضاع السياسية والحروب الداخلية وتراجع العلم، أدرك محمد علي أن بناء دولة قوية لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى نشر التعليم والعلوم الحديثة، وإنشاء جيل جديد قادر على إدارة الدولة ومؤسساتها وفق النظم الأوروبية الحديثة.

لماذا بدأت حركة الترجمة؟

ارتبطت بداية الترجمة في مصر بسببين رئيسيين؛ الأول رغبة محمد علي الشخصية في التعرف على الحضارة الأوروبية والاطلاع على علومها وفنونها، والثاني رغبته في نقل هذه المعارف إلى مصر من أجل بناء دولة حديثة.

ورغم أن محمد علي لم يتعلم القراءة إلا في سن الخامسة والأربعين، فإنه أبدى شغفًا كبيرًا بالكتب الأوروبية، خاصة ما يتعلق بالإدارة والحرب والجغرافيا والعلوم. وتروي المصادر أنه عندما أُهدي إليه كتاب أوروبي ضخم في الجغرافيا، طلب ترجمته سريعًا، ولما أخبره المترجم أن الأمر يحتاج إلى ثلاثة أشهر، قسم الكتاب بنفسه إلى أجزاء ووزعه على عدة مترجمين لإنجاز العمل خلال شهر واحد فقط.

الترجمة في خدمة الدولة

مع إنشاء المدارس الحديثة والجيش النظامي، احتاجت مصر إلى ترجمة الكتب العلمية والعسكرية والطبية والهندسية من اللغات الأوروبية إلى العربية والتركية، حتى يتمكن الطلاب والموظفون من الاستفادة منها.

ولهذا استعان محمد علي بعدد من المترجمين من الأجانب، كما أنشأ نواة جهاز للترجمة داخل الديوان العالي، لتولي ترجمة التقارير الرسمية والكتب والمراسلات الأجنبية.

وكان من أبرز هؤلاء المترجمين بوغوص بك، الذي أصبح لاحقًا من كبار رجال الدولة، بالإضافة إلى عثمان نور الدين الذي تلقى تعليمه في أوروبا وأتقن عدة لغات وأسهم في ترجمة المكاتبات والكتب الرسمية.

المدارس والبعثات.. وقود النهضة

اعتمد محمد علي على البعثات التعليمية إلى أوروبا كوسيلة أساسية لبناء جيل من المترجمين والمتخصصين. ففي البداية اتجهت مصر نحو إيطاليا، ثم أصبحت فرنسا المركز الأهم للتعليم والترجمة مع تصاعد النفوذ الثقافي الفرنسي داخل مصر.

واستعان الوالي بالمدرسين الأجانب داخل المدارس الحديثة، خاصة في مجالات الطب والهندسة والعلوم العسكرية، وهو ما جعل الترجمة ضرورة يومية داخل العملية التعليمية، بسبب تعدد لغات التدريس بين الإيطالية والفرنسية والتركية والعربية.

مطبعة بولاق ودور النشر

لعبت مطبعة بولاق دورًا محوريًا في ازدهار حركة الترجمة، حيث أعادت طباعة الكتب العلمية المترجمة، سواء القادمة من أوروبا أو المترجمة في إسطنبول، وساهمت في نشر المعرفة الحديثة داخل المدارس والمصالح الحكومية.

وكان محمد علي يتابع بنفسه الكتب المترجمة، فإذا أعجبه أحدها أمر بطباعته وتوزيعه على المدارس وكبار الموظفين، أما إذا رأى أنه غير مناسب، كان يمنع نشره.

عصر الترجمة والتعريب

ومع اتساع حركة نقل العلوم الأوروبية إلى العربية، وصف بعض المؤرخين عصر محمد علي بأنه «عصر الترجمة والتعريب»، لأن هذه الحركة لم تقتصر على ترجمة الكتب فقط، بل أسهمت في خلق لغة علمية حديثة بالعربية، وأدت إلى ظهور جيل جديد من المثقفين والإداريين والعلماء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق