خالد دومة يكتب: رحل الحجاج وريكاردو

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

إنَّ الممثلَ الذي يجعلك تنساه بلحمه وشحمه، فلا تتذكر إلا الشخصية التي يؤديها، هو ممثلٌ قديرٌ بلا شك؛ إذ تذوب شخصيته، بل تفنى، ليجسد إنسانًا آخر بكل ما يعتريه من حركاتٍ وسكنات، وخوالج نفسية وعقلية. وحين تنساه لتتذكر الشخصية التي يقوم بها، فقد أدى دوره باقتدار، ونقلها إلينا بكل دقائقها وتفاصيلها.

ولم أكن أتصور الحجاج بن يوسف, بعد قراءة تراجمه وأحواله, إلا بهذا الشكل والطريقة؛ بما يداخله من نزعات الزهو، وما يبدو على ملامحه من تدبرٍ وحكمة قبل أن يفصح عنهما بكلماته. فالصعوبة الحقيقية في التمثيل أن تكون غيرك؛ أن تحمل عقلًا آخر وقلبًا آخر، فيصبح أداؤك انعكاسًا لما تقتضيه الشخصية لا لما أنت عليه. وتبلغ براعتك غايتها حين تقنع المشاهد أنك هو بالفعل، فلا يتطرق إلى ذهنه تصور آخر.

إن الممثل يتأرجح بين شخصيات متباينة؛ فيكون شيخًا هرمًا، أو فتىً, أو تاجرًا، أو نصابًا، أو صاحب مبدأ، أو مخادعًا، أو حكيمًا مغرورًا، أو أبله, أو قويًّا، أو مستضعفًا قانطًا، أو فرِحًا متطلعًا، أو زاهدًا في الحياة، أو طامعًا ذا جبروت. إنها أمزجة متباينة، وأخلاق متناقضة، ونفوس متعارضة. فإذا استطاع الممثل أن يؤدي هذه الشخصيات المختلفة بإتقان، وأن يبعث الحياة فيها، استحق علامة الامتياز بحق.

وقد كان عبد الرحمن أبو زهرة علمًا كبيرًا في عالم الفن، والتمثيل الدرامي والكوميدي، وعالم المسرح خاصة؛ ففي المسرح تظهر البراعة الحقيقية، حيث يقف الممثل أمام جمهورٍ يراقب كل حركة، وكل التفاتة، وكل نبرة صوت.

وفي مسرحية مونسيرا للكاتب الفرنسي إيمانويل روبليس، كان “ريكاردو” ذلك الشاب الذي قُبض عليه مصادفةً مع خمسة آخرين ليكونوا ورقة ضغط على الضابط الفرنسي “مونسيرا”، حتى يعترف بمكان الثائر “سيمون بوليفار” الذي يقاوم الاحتلال الإسباني ويسعى لتحرير شعبه. وكان مونسرا قد ساعده بعدما رأى الجنود الإسبان يقتلون أبناء البلاد بلا رحمة، ويرتكبون المجازر بحق شعبٍ ضعيف يسعى لينفض عن كاهله غبار العبودية والاحتلال.

وقد جسد عبد الرحمن أبو زهرة شخصية “ريكاردو” ببراعةٍ آسرة؛ ذلك الشاب الذي عانى ويلات الاحتلال، ورأى أباه يُقتل أمام عينيه، ولم يبق له سوى أمه العجوز. نقل إلينا خوف الشخصية في نبرات صوته، ثم صراع الضمير، ثم تحوله إلى إنسان يقبل على الموت بعزيمة وإرادة وفاءً لوطنه وأمه. كنت أستمع إليه كأنني أراه شاخصًا أمامي، مقبلًا على الموت وقد هزم الخوف والخذلان. لقد جسد الشخصية في أبعادها الظاهرة والخفية، حتى خُيّل إليك أن روحًا أخرى قد تلبَّسته.

فمعرفة الممثل بدقائق الشخصية هي التي تميزه عن غيره ممن يقفون على خشبة المسرح أو أمام الكاميرا وهم غافلون عن خفايا أدوارهم. فكثيرًا ما ترى ممثلًا أشبه بتمثال يتحرك، يحاول أن يعوض افتقاره إلى الفهم الحقيقي للشخصية بحركاتٍ مصطنعة يظنها الإبداع كله، فيقابل المشاهد ذلك بالنفور، ويشعر بالنشاز الذي يعكر صفو المعايشة لأحداث الرواية.

ولم يكن التمثيل يومًا قائمًا على الوساطة أو الوراثة أو النفوذ، بل كان عشقًا حقيقيًا يقبل عليه صاحبه بكل كيانه، وقد يضحي في سبيله بالغالي والنفيس. ولم يكتفِ الفنانون الكبار بذلك، بل درسوه واجتهدوا فيه اجتهاد الطالب المتفوق، حتى يستطيعوا أن ينقلوا مشاعرهم ودخائلهم إلى الشخصية التي يؤدونها، فتخرج حيةً نابضة كما ينبغي لها أن تكون.

فرحم الله الفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة، الذي سيظل في ذاكرة الفن العربي واحدًا من أعظم الممثلين الذين نقلوا لنا الخيال, وألبسوه لحما ودما وشعورا حيا.

أخبار ذات صلة

0 تعليق