خالد دومة يكتب: اللامبالاة

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

إن نصيب الإنسان من الحياة، إذا أُصيب بداء اللامبالاة، هو نصيبٌ ضئيل، أو قل: لا نصيب له منها. فهو أشبه بالميت؛ يرى الأحداث تمر من حوله فلا تهزه، ولا توقظ فيه إحساسًا أو شعورًا. لا حبّ ولا كره، لا خوف ولا رجاء. وكثير من الناس يسعون إلى هذه الحال ظنًّا منهم أنها سبيل إلى السلام النفسي، وأن قلة التأثر بالحوادث ضربٌ من الحكمة، مع أن الإنسان ليس حجرًا ولا صنمًا تتكسّر عليه وقائع الحياة دون أن يشعر بها. ومن يسعَ إلى أن يكون لا مباليًا، إنما يسعى — من حيث يدري أو لا يدري — إلى موات روحه قبل موات جسده, فما الذي يجعل روح الاستهتار تسيطر على نفوس كثير من الشباب حتى تستغرقهم سنواتٍ طويلة؟ لماذا يقتلون أوقاتهم وأعمارهم في اللهو والعبث، ويمضون في ذلك بوعي كامل، وكأنهم لا يرون للحياة قيمة؟


إن النفس حين تخلو من الطموح والغاية تميل إلى اللعب والفراغ، وتفقد الإحساس بجدوى السعي والعمل، خاصة حين ترى أن الجهد قد يضيع، وأن الوصول إلى الغايات أصبح عند البعض مرهونًا بالمال أو الوساطة لا بالكفاءة والاجتهاد. عندها يتسلل الشعور بالعبث، وتتحول اللامبالاة إلى أسلوب حياة.


ولعل من أخطر أسباب هذه الحالة غياب القدوة الحقيقية. فقد كان للشباب قديمًا أمثلةٌ عليا من أهل الفكر والعلم والأدب، يستلهمون منها معاني الجد والاجتهاد. أما اليوم فقد تراجعت القامات الفكرية، وغابت الأصوات الموثوق بها، وبرزت بدلًا منها نماذج جوفاء لا تملك من القيمة إلا المظاهر والنفوذ. فأصبح كثير من الشباب لا يجد أمامه ما يدفعه إلى السمو، بل يرى التفاهة تُرفع، وأصحاب الفكر يُهمَّشون، فتضطرب المقاييس وتضيع القيم.
وقد تكون اللامبالاة أحيانًا انعكاسًا لوعيٍ مرير بواقعٍ مضطرب؛ فحين يرى الإنسان الأخطاء تتكرر في كل مجال، ويرى الباطل يُقرّ ويُدافع عنه، ثم يجد أن محاولات الإصلاح لا تجلب له إلا العناء والخصومة، فإنه يميل مع الوقت إلى الصمت، لا اقتناعًا، بل هربًا من الإرهاق النفسي. ومع تكرار الخيبات تخمد ثورته الداخلية، ويفقد إحساسه بما كان يومًا يثير غضبه وحنقه.
غير أن هناك فرقًا بين اللامبالاة بالأمور التافهة، واللامبالاة بالأمور العظيمة. فالتجاوز عن صغائر الأمور قد يكون سموًّا وترفعًا عن الدنايا التي تستنزف النفس بلا فائدة. أما اللامبالاة بما يتعلق بمصير الإنسان وكرامته ومستقبله، فهي ضعف وخذلان، وليست حكمة كما يظن البعض. فالإنسان الحيّ هو من يواجه المشكلات ويحاول إصلاحها، لا من يسخر منها أو يهرب من مواجهتها.
أما البرود الكامل، وانعدام الشعور بكل خير أو شر، فهو صورة من موت الروح؛ إذ يصبح الإنسان كأنه يُساق في الحياة بلا إرادة، لا يحمل فكرة، ولا يتحرك فيه وجدان، ولا يسمع له صوت عقل أو عاطفة. أولئك يعيشون الحياة بأجسادهم فقط، أما أرواحهم فقد استسلمت لصمتٍ يشبه صمت الحجارة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق