أحمد طنطاوى يكتب: مايكل فارس ودستوره للصحافة "الحساسة"

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

أعرف مايكل فارس منذ سنوات، زميل هادئ ودود، و"صحفى شاطر"، تشف منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعى عن مصري صاحب رؤية، ومصر تحتاج إلى هذه النوعيات من الأذهان التى تطرح رؤى، ذاك أن توافر الكثير من الأفكار قد يبلور ـ فى النهاية ـ مشروعا وطنيا يتجه بالبلد إلى "رسو" طال انتظاره.

مايكل يتميز بالوعى بما يقتضيه كونه "مصريا"، فهو لا يحجم عن تقديم رأيه حتى في الأمور التي تخص المسلمين كونهم مصريين، وكل "ما" هو مصري "يعنى" كل "من" هو مصري، فيعلق ـ مثلا ـ على مسلسل معاوية ابن أبى سفيان أو مشاكل الإسلام السياسى، ما يشتى بمثقف وطنى مهموم بمصريته.

وبالتأكيد ليس شرطا أن تتفق مع شخص ما في كل رؤاه لتكتب عنه، وإلا فلن تكتب عن أحد البتة، لكن يكفيك المساحة المشتركة وهذا الإحساس بالمسئولية والتجرد، وهذا ما جعلنى أرغب في الكتابة عن مايكل، أو بالأحرى عن ثمرته الرئيسة التى أنتجها وهى كتابه ـ الذى قوبل بحفاوة كبيرة ـ تحت عنوان: "إعلام الكراهية.. آليات تغطية نزاعات الهوية"، وقد أهدانى منه نسخة تأخرت في قراءتها لتزامنها مع إنهائى لإجراءات درجة الدكتوراه التى حصلت عليها من جامعة عين شمس.


الكتاب يأتي فى 8 فصول بحمل جيد من المادة على صفحات من القطع المتوسط (من فقرتين إلى ثلاث)، وإخراج مباشر وبسيط، ناقش فيه الكاتب المفاهيم الرئيسية وحررها مثل "الهوية" و"النزاع" و"الصراع"، وتطرق للطائفية وأسباب نشوئها، كما تناول "الصحافة لحساسة للنزاعات" بالتعريف وتعرض لآلياتها، وفرّق بين الموضوعية والمسئولية وهو فرق حساس، ثم استعرض سيكولوجيات الانحياز الناتج عن الأيديولوجيا وكذلك الانحيازات اللاواعية نتيجة الموروث الفكرى مستعينا بنظرية "تجهيز المعلومات الاجتماعية".

اللغة كان لها نصيب كبير من اهتمام الباحث، كونها هي أداة تشكيل التصور وإنتاج المعنى فخصص لها الفصل الرابع تحت عنوان "ألفاظ الاستهلال وقواعد التنصل" ناقش فيه استخدام الألفاظ في الأخبار والتقارير خاصة المشحون منها وقواعد  التنصل، ثم استعرض فى الفصل الخامس الفروق بين المصادر المختلفة، واضعا أولى ابتكاراته بتصميمه لآلية سماها  FACT  لكشف دوافع المصادر، مع شواهد عملية واقعية من لغة الأخبار وكذلك أداة BE Snart لاختبار مصداقية المصدر وصلاحية المعلومات ونموذج FXTH الذى يحدد أنواع العلاقة بين الصحفى ومصدره.


أيضا تناول خطاب الكراهية في الإعلام محددا آليات لمواجهة هذا الخطاب وكيفية عزله وكيفية اختيار اللغة بأمثلة وشواهد واقعية، مزودا القارئ باختبارات وآليات يمكنه تطبيقها بنفسه، أما الفصل الثامن "المغالطات المنطقية في التغطية الصحفية" فيؤسس لمدخل عملى جديد، يوضح أخطاء التغطية الإعلامية والصحفية مع نماذج من أمثلة واقعية من المواقع ومنصات النشر المختلفة مدعومة ب11 مغالطة من المغالطات المنطقية غير الصورية.

الجهد المبذول من الباحث وخريطة عمله تأتى كما توقعت، جهد موضوعى تتضافر الأمثلة على تجرده ونجاته من فخ السقوط فيما يحذر منه، فلم بتبنى خطابا تمييزا أثناء انتقاده للتمييز فى الخطاب الإعلامى المطروح، ومن ثمّ فالهم العام هو ما يشغل مايكل فارس وليس الهم الفئوى أو الطائفى، والنبرة التى تبناها كانت من النضج بالدرجة التى تجعل من هذا الجهد البحثى عمدة في مجاله، ومن ثمّ فهو جدير بأن يقرر على طلبة كليات الإعلام، وأن تعتمده النقابات التى تقبل بخريجى الكليات الأخرى كإعلاميين وصحفيين، ذلك أنه يلفت نظر الدارسين إلى انحيازات قد يكونون هم في غفلة عنها.


ومن أمثلة تجرد الباحث التماسا للموضوعية، انتقاده لأحكام القيمة والانحياز ضد الفاعلين فى الحوادث الأمنية بوصفهم إرهابيين، ففى ص82 يأتى بشاهد من عنوان صحفى يصف مهاجى حافلة للمسيحيين المصريين بصعيد مصر بـ"الإرهابيين"، وأن العمل الذى اقترفوه هو "هجوم إرهابى" رغم أن الناشر هو منصة CNN عربى، ويصوب الكاتب هذا المسلك بأنه كان من المفترض الاكتفاء بوصف "مسلحون" و"هجوم مسلح"، بدلا من دمغهما بـ"الإرهابى" ذلك أن الحادث ما يزال تحت تحقيق.


كما مثّل لالفاظ الاستهلال وقدم لها شكلا هندسيا ص83 في لفتة حساسة وواعية بخطوة الكلمة كأداة تغطية، مفرقا بين الفاظ الاستهلال العادية وأدوات الربط من جهة والألفاظ المفخخة من جهة أخرى مثل: أقر وزعم وادعى واعترف، وأخيرا تأتى قلة الأخطاء اللغوية ملمحا إيجابية في الكتاب.


الحقيقة أن العمل جهد محترم أوافق الكاتب على تسميته بدستور لتغطية الصحافة الحساسة/ صحافة النزاعات والأزمات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق