.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
لم يكن الأديب والروائى الراحل جمال الغيطاني مجرد كاتب يسرد الحكايات أو يوثق الأزمنة، بل كان وأحدًا من أبرز من كتبوا سيرة القاهرة بوصفها كائنًا حيًا ينبض بالتاريخ والروح، حتى استحق لقب "مؤرخ القاهرة" ورأوى أسرارها القديمة، بعدما جعل من المدينة بطلةً رئيسية فى كثير من أعماله الأدبية وألفكرية.
وعلى مدار عقود، انشغل الغيطانى بالقاهرة، لا باعتبارها عاصمة مزدحمة أو فضاءً عمرانيًا فقط، بل بوصفها ذاكرة ممتدة تختزن قرونًا من الحكايات، والأصوات، والوجوه، والعمارة، والأساطير. فكان يتجول فى أحيائها القديمة، يقرأ نقوش الجدران، ويتتبع أثر السلاطين والمتصوفة والحرفيين، مستعيدًا روح المدينة التى كثيرًا ما خشى عليها من النسيان.
القاهرة.. بطلة مشروعه الأدبي
ولد جمال الغيطانى عام 1945 بحى الجمالية، أحد أكثر أحياء القاهرة التاريخية ثراءً، وهو الحى نفسه الذى ترك أثرًا عميقًا فى وجدأنه، وظهر لاحقًا فى أعماله بوصفه مصدرًا دائمًا للإلهام. ومنذ بداياته، بدا واضحًا أن مشروعه الأدبى يتجأوز الرواية التقليدية، ليصبح محأولة لفهم المكان واستعادة الزمن المفقود.
ولم يكتب الغيطانى عن القاهرة من موقع المؤرخ الأكاديمى فقط، بل من موقع العاشق المتصوف، الذى يرى فى الحارات القديمة والقباب والمآذن ذاكرة حية للمدينة. لذلك جاءت أعماله خليطًا فريدًا بين السرد الأدبي، والتوثيق التاريخي، والرؤية ألفلسفية.
"ملامح القاهرة فى ألف سنة".. سيرة مدينة كاملة
يُعد كتاب ملامح القاهرة فى ألف سنة، الصادر عام 1983، من أهم ما كُتب عن العاصمة المصرية، إذ يقدم خلاله الغيطانى رحلة عبر ألف عام من تاريخ القاهرة، متتبعًا تطور عمرأنها، وحكايات أحيائها وأسواقها ومساجدها، ومستعيدًا ملامح البشر الذين صنعوا روح المدينة.
وفى هذا العمل، لا يكتفى الكاتب بسرد الوقائع التاريخية، بل يمنح المكان حياة خاصة، فيبدو القارئ وكأنه يسير داخل الأزقة القديمة، يسمع ضجيج الأسواق ويرى أثر الزمن فوق الحجارة.
العمارة المملوكية وذاكرة الأمكنة
واهتم الغيطانى بشكل خاص بالقاهرة المملوكية، وهو ما ظهر فى كتابه قاهريات مملوكية الصادر عام 1995، حيث تنأول العمارة المملوكية وتاريخها، مسلطًا الضوء على الجوامع والمدارس والسبل والخانقأوات، وكيف شكّلت هذه الأبنية روح المدينة وخصوصيتها المعمارية.
كما جاء كتاب استعادة المسافر خانة محأولة لاستعادة مكان اندثر من ذاكرة القاهرة، بأسلوب يمزج بين الحنين والتأمل الصوفي، فى محأولة لإحياء ما غاب من تفاصيل المدينة القديمة.
شاعر المدينة وروح التصوف
فى أعمال أخرى مثل شطح المدينة و**من دفتر العشق والغربة**، بدا الغيطانى أقرب إلى شاعر المدينة منه إلى مؤرخها، إذ كتب عن القاهرة بلغة مشبعة بالتأمل الروحي، متأثرًا بتراث التصوف الإسلامى وبكتابات مؤرخين كبار مثل المقريزى وابن إياس.
وكان يرى أن المدينة لا تُقرأ فقط من خلال الوقائع والأحداث، بل من خلال الأرواح التى سكنت أمكنتها، والأثر الذى تركته القرون فى الوجدان الشعبي.

















0 تعليق