لا شك أن حركة الحشاشين من أخطر الحركات السرية التى شهدها العالم الإسلامى، وذلك لاعتمادها على اغتيال كل من يعارض دعوتهم من وزراء وقواد وأمراء بل خلفاء وسلاطين، كما لم يسلم من القتل رجال الدين الذين انتقدوهم، فاغتالوا الوزير السلجوقى "نظام الملك"، كما اغتالوا والى بيهق، ومفتى أصفهان، والفقيه الشافعى أبا جعفر بن المشاط حيث قتلوه وهو يدرس بالرى ويعظ الناس، كما اغتالوا الخليفة الفاطمى الآمر بأحكام الله بن المستعلى، وكذلك الخليفة العباسى المسترشد بالله، وتمكنوا من اغتيال مفتى قزوين ووالى مراغة ووالى أصفهان، وتتعدد الأسماء التى نجحت الحركة فى اغتيالها، ومن ثم سنتعرف إلى بعض من المعلومات عن الحركة معتمدين على كتاب "حركة الحشاشين" للدكتور محمد عثمان الخشت.
أما من أنشأ هذه الحركة فهو الحسن بن الصباح، وكان ذا شجاعة ودهاء، وعالما بالهندسة والحساب والنجوم، وتعود أصوله إلى قبيلة حمير فى اليمن. وقد ولد الحسن فى مدينة "قم" الإيرانية، وبعضهم قال إنه ولد فى مدينة "الرى"، سنة 428 هـ. وكان والد الحسن ينتمى إلى الشيعة الاثنى عشرية، وشجع ابنه على الاطلاع على مختلف العلوم فى عصره، فيقول الحسن:"منذ طفولتى، بل منذ السابعة من عمرى، كان جل اهتمامى تلقى العلوم والمعارف والتزود بكل ما أستطيعه منها فى سبيل توسيع مداركى، وكنت كآبائى قد نشأت على المذهب الاثنى عشرى فى التشيع، ولم أكن أرى فى غيره طريقا للخلاص من آفات العالم".

حركة الحشاشين
هكذا كان الحسن فى مقتبل حياته ينتمى إلى الشيعة الاثنى عشرية، لكنه انصرف عنها إلى الدعوة الإسماعيلية، بعد أن تعرف إلى داعٍ من دعاة الإسماعيلية الفاطمية، ودار بينهما جدل متواصل، يحاول كل واحد منهما إقناع الآخر بصحة مذهبه، إلى أن أفلح الداعى الفاطمى فى إقناع الحسن بأن المذهب الإسماعيلى هو الصواب وفيه النجاة، وكانت بيئة فارس مرتعا خصبا لمختلف التيارات الدينية والعقائدية، ويكثر فيها الجدل والمناظرة والمحاورة والنقاش.
لكن ما الفرق بين المذهب الإسماعيلى والشيعة الاثنى العشرية؟ لا بد أن نعلم أن الفرقتين خرجتا من رحم فرقة واحدة هى الإمامية، أى الاعتقاد بوجب الإمام، وأن الاختلاف بينهما إنما يرجع فى ترتيب الأئمة، فتتفق الفرقتان على إمامة كل من: على بن أبى طالب، ثم ابنيه الحسن فالحسين، ثم على زين العابدين بن الحسين، ثم ابنه محمد الباقر، ثم ابنه جعفر الصادق. لكنهما يختلفان فى الإمامة بعد جعفر، فالاثنا عشرية ترى أن الإمام بعد جعفر هو ابنه موسى الكاظم، ثم ابنه على الرضا، ثم ابنه محمد الجواد التقى، ثم ابنه على الهادى النقى، ثم ابنه الحسن العسكرى الزكى، ثم ابنه محمد المهدى القائم بالحجة. وهؤلاء يسمون الشيعة الإثنى عشرية، ويعرفون أيضا بالجعفرية، وبالإمامية حينا ثالثا. ويزيدون على أركان الإسلام الخمسة ركنا آخر، هو الاعتقاد بالإمامة أى يعتقدون أن الإمامة منصب إلهى كالنبوة.
أما الشيعة الإسماعيلية فتذهب أن الإمامة بعد جعفر الصادق هى لابنه الأكبر إسماعيل، وأنه الأحق بها من أخيه موسى الكاظم، وذلك طبقا لطقوس وراثة الإمامة عند الشيعة؛ حيث تذهب الإمامة لأكبر الأبناء، لكن ما حدث هو أن جعفرا أوصى بالإمامة لابنه موسى، متخطيا بذلك ابنه الأكبر إسماعيل. وثمة روايات عدة فى عدم اتباع التسلسل المعهود به عند الشيعة، ومنها أن إسماعيل هذا توفى فى حياة أبيه، ورواية ثانية تذهب إلى أن جعفرا حرم ابنه من الإمامة لأنه كان يشرب الخمر وكان مولعا بالنساء. أيا كان الأمر فقد انقسمت الإمامية إلى فرقتين: فرقة تعرف بالاثنى عشرية؛ لأن الإمامة استمرت تنتقل فيه حتى انتهت بالإمام رقم اثنى عشر. والفرقة الثانية هى الإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ومن ثم تعرف هذه الفرقة بالسبعية نسبة إلى الإمام السابع إسماعيل.

محمد عثمان الخشت
استتر أئمة الإسماعيلية زهاء قرن ونصف القرن بعد وفاة جعفر الصادق سنة 148هـ، حتى ظهر عبيدالله المهدى فى شمال إفريقيا سنة 296 هـ، إلى أن افتتح حفيده المعز لدين الله الفاطمى مصر على يد جوهر الصقلى سنة 358 هـ، ثم تولى الإمام المستنصر الفاطمى الخلافة سنة 427 هـ، وهنا جاء الحسن بن الصباح القاهرة الفاطمية، وسأل المستنصر من إمامى بعدك، فقال له: ابنى الأكبر نزار، وهو ما يتماشى مع المذهب الإسماعيلى الذى يرى أن الإمامة للابن الأكبر، كما قلنا من قبل. لكن لم يرض هذا الوزير الأفضل ابن بدر الجمالى المتحكم الرسمى فى إدارة البلاد، فلم يوافق على جعل نزار الخليفةَ بعد موت أبيه، إنما اختار ابن أخته أحمد ابن المستنصر ليكون هو الإمام، ولقبه بالمستعلى بالله. وهنا انشقت الإسماعيلية إلى فرقتين، فرقة ترى أن المستحق لمنصب الإمامة هو نزار، الابن الأكبر للخليفة المستنصر، ومن ثم عرفت هذه الفرقة باسم "النزارية"، وفرقة ترى أن الإمام هو أحمد المستعلى بالله الابن الأصغر للمستنصر. وكان الحسن بن الصباح شاهدا على كل تلك الأحداث؛ حيث وفد إلى القاهرة تنفيذا لتوجيه الداعى الإسماعيلى الكبير "عبدالملك بن عطاش"، وانحاز بطبيعة الحال إلى نزار، ولهذا طرده الوزير الجمالى من مصر، فاتجه "الصباح" إلى إيران، وأنشأ حركة الحشاشين، ولينشأ عداء ظاهر بين الطائفتين، واستطاعت الحركة أن تغتال الخليفة الآمر بأحكام الله؛ لتكون الحركة بذلك أول حركة سرية تختار عمليات الاغتيال وسيلة لتحقيق أهدافها، والقضاء على خصومها.
نستنتج من وراء هذا العرض أن الأصل فى التشيع كان فرقة واحدة هى الإمامية، ثم انقسمت على نفسها إلى فرقتين، فرقة الاثنى عشرية، وفرقة الإسماعيلية. ثم انقسمت الإسماعيلية بدورها إلى فرقتين، الأولى إسماعيلية نزارية، وعنها حركة الحشاشين، والفرقة الأخرى هى الإسماعيلية المستعلية ومنها ظهرت طائفة البُهَرة ومعناها التجار.
أنشأ حسن الصباح حركة الحشاشين بعد فراره إلى إيران، أما اسمها فليس مستمدا من المادة المخدرة، وإنما يرجع، كما يقول الدكتور محمد عثمان الخشت فى مقدمة كتابه (حركة الحشاشين)، إلى مواقف صمودية كانت تقفها الحركة فى مواجهة ضروب الحصار التى كانت تفرضها عليها الجيوش المضادة لمدد طويلة، فكان يصمد رجال الحركة فى قلاعهم حتى بعد نفاد المؤمن والأطعمة، معتمدين فى غذائهم على أكل الحشائش (العشب أو الكلأ) ومن هنا جاءت تسميتهم بالحشاشين، لكن الدكتور مصطفى الشكعة ذكر فى كتابه "إسلام بلا مذاهب" أن الحسن بن الصباح كان يخدر مريديه فى قلعته، ليوحى إليهم بأوامره وتوجيهاته القاسية، ثم يطلقهم ينفذون ما طلب إليهم من مغامرات.
يتبادر إلى الذهن سؤال فى محله هو: لماذا فشلت الدعوة الإسماعيلية فى نشر فلسفتها وتعميم عقيدتها على الدول التى سيطرت عليها مثل مصر وبلاد المغرب؟ بمعنى أنها لماذا نجحت سياسيا وأخفقت عقائديا؟ يجيب الدكتور الخشت على هذا السؤال المهم، فيقول إن الدعاة الإسماعيليين ركزوا على استمالة تلك البلاد إلى صفوفهم، مستغلين سخط السكان على ولاتهم، وبُعدَها عن سلطة الخلافة العباسية، فهم قبلوا بهم حكاما ولم يقبلوا مذهبهم وعقيدتهم، وعندما دُحرت الخلافة الفاطمية من البلاد التى دخلتها لم يبق لهم أى أثر يذكر، رغم انتشار مدارس الحكمة التى أنشأها الخلفاء الفاطميون بغرض نشر الدعوة الإسماعيلية بين الجماهير.
على خلاف ذلك، نجح التيار الشيعى الإسماعيلى فى المشرق الإسلامى خاصة إيران عقائديا، لكنه فشل سياسيا، فلم تقم له دولة، بمعنى الكلمة، مثل دولة الفاطميين، فتمكنوا من جذب عدد من العلماء والمفكرين، وصار لهم نفوذ قوى فى عدد من المراكز العلمية فى أنحاء إيران. يوضح الدكتور الخشت السبب فى ذلك، فيقول إن إيران كانت مسرحا للعديد من الحركات الدينية والفلسفية، ما جعل الولاء السياسى فيها مشروطا إلى حد كبير بوجود ولاء فكرى سابق. كذلك كانت إيران تحت رقابة الدولة العباسية التى كانت تخشى على نفسها من أى حركة معارضة تتجذر هناك ولا سيما الحركة الإسماعيلية. وهذا يعنى أن الدعاة الإسماعيليين انشغلوا بالتركيز على العمل الفكرى بدل الانشغال بإنشاء دولة، فقد كانت تترصدهم عيون الدولة وتتعقبهم، لهذا نجحوا فى استقطاب العديد عقائديا، وهذا الاستقطاب تم بفضل ثلاثة من فلاسفتهم هم أبو عبدالله بن أحمد النسفى الذى ألف كتاب "المحصول" وهو أول كتاب عقائدى وضع للتداول والمناقشة فى الوسط الإسماعيلى. أما الفيلسوف الثانى فهو أبو يعقوب إسحاق بن أحمد السجستانى، والثالث هو أبو حاتم الرازى (ت 322هـ) وهو من الأوائل الذين وضعوا الأسس النظرية للعقيدة الإسماعيلية، ومن مؤلفاته "أعلام النبوة".
اتجه الحسن بن الصباح إلى إيران، واستقر فى الشمال، وذلك لسببين؛ الأول أن سكان تلك المنطقة التى يغلب عليها الطابع الجبلى كانوا يميلون إلى التشيع، ولهذا فأغلبهم أكثر استعدادا لاعتناق مبادئ المذهب الإسماعيلى. أما السبب الثانى فهو أن هذه المنطقة الجغرافية تشتمل على هضاب وعرة وطرق عسيرة المسالك وبها كثير من القلاع والحصون، ما يصعب على الأعداء اقتحامها.
قرر الحسن الاستيلاء على قلعة "ألموت" وهى تعنى "عش العقاب"، وأوضح الدكتور الخشت الوضع الطبوغرافى للقلعة، فهى تقع على صخرة مرتفعة من صخور سلسلة جبال البرز التى ترتفع بأكثر من عشرة آلاف قدم عن سطح البحر، ومناخ هذه المنطقة شديد البرودة ويتساقط عليه الجليد أكثر من ستة أشهر فى السنة. وبهذا رد الدكتور الخشت على وصف "ماركو بولو" للقلعة بأنها قطعة من الجنة، ومن ضمن وصفه العجيب قوله بأنه حول القلعة إلى حديقة غناء "وهذه الحديقة أجمل وأكبر ما يمكن أن تراه العين من حدائق، وقد زرع فيها كل ألوان الفواكه، وبنى فيها أبدع ما يمكن تخيله من مقصورات وقصور مرسوم عليها بالذهب رسوما رائعة.." يرى الدكتور الخشت أن هذا الوصف أدخل فى باب الأساطير منه فى الواقع الفعلى. ويدعى "ماركو بولو" أن "الصباح" كان يستولى على عقول أتباعه عن طريق هذه القلعة التى هى أشبه بفردوس الجنة، وهذا كلام يخلو من الصحة، لكن كيف يسيطر "الصباح" على عقول مريديه، بحيث ينفذون أوامره حتى إنهم يضحون بأرواحهم فى سبيل تنفيذها؟
فسر لنا الدكتور الخشت سبب ذلك، وهو أن "الصباح" أوتى من علم بالدين والفلسفة ورُزِق موهبة عسكرية، ما جعله يستطيع أن يبث فى عقول أتباعه العقائد التى تدفعهم دفعا إلى الإقدام بشجاعة على الموت. كما تمكن من ابتكار تنظيم محكم الأركان يستطيع أعضاؤه القيام بالعمليات الفدائية. كذلك يختار "الصباح" الفدائيين بعناية فائقة، فيعمد إلى أهل المناطق الجبلية والصحارى الذين يتميزون بالصلابة والقوة، ونشأوا على النفرة من السلطات السنية، فينتقى منهم الشبان، ويتعهدهم بالتربية والتثقيف الفكرى الذى ينمى روح الجهاد والتضحية فيهم، ويدربهم على وسائل الهجوم. ويخلص الدكتور الخشت إلى أن الإقدام على الموت من جانب الفدائيين بهذه الطريقة راجع إلى أن الفكر هو موجه السلوك، فيغرس "الصباح" فى أنفسهم فكره الداعى إلى الخلاص من الحياة المليئة بالشر، فيحرص الفدائى على أن يلتحق بالعالم الآخر، عالم متعال عن المكان والزمان، وهو عالم "الحياة الحقيقية"، ويقتنع الفدائى أن وجوده الراهن فى هذا العالم شىء غير طبيعى، وأن مكانه هناك فى عالم الفردوس والخلود.
يؤكد الدكتور الخشت أن أهم ما يميز الحسن بن الصباح أن إدارته لشئون الحركة كانت إدارة حازمة أشد ما يكون الحزم، حتى إن أولاده كانوا لا يملكون إلا الأخذ بسيرته واقتداء طريقته والامتثال لأوامره. كما كان يضع مصلحة الحركة العامة فوق كل شىء وقبل أى شىء، ولم يتوان لحظة فى تنفيذ تعاليم الدستور التى كانت الحركة تعمل من خلاله، حتى إنه قتل ابنه الحسين لاتهامه بالاشتراك فى قتل أحد دعاته المقربين، كما أعدم ابنه الثانى لأنه وجده يشرب الخمر، وطرد أحد دعاته من القلعة لأنه كان يتسلى بالعزف على الناى.
توفى الحسن بن الصباح عام 518 هـ وتولى قيادة الحركة الداعية "بزرك آميد"، وفى عهد نشطت عملية الاغتيالات، وضمت قائمة الاغتيالات شخصيات بارزة كالخليفة العباسى المسترشد بالله سنة 529 هـ، والخليفة الفاطمى الآمر بأحكام الله سنة 524 هـ. وعندما تولى الإمامة "الحسن" الذى كان يقرن اسمه دائما بـ"على ذكره السلام"، وهو من سلالة نزار بن المستنصر الفاطمى، فمع وجود الداعية مثل الحسن بن الصباح وبزرك آميد لابد من وجود إمام من سلالة نزار، أعلن الحسن قيامة القيامة، وهى باختصار التحلل من اتباع تعاليم الدين، وإسقاط الفرائض، وإباحة العلاقة مع النساء، وقام بتغيير القبلة، لكنه مات مقتولا بسبب إعلانه القيامة. وفى النهاية تمكن التتار من تدمير كل القلاع التى كانت بحوزة الحشاشين بما فيها قلعة ألموت سنة 654 هـ، ولم تنته الحركة فدخلت فى دور ستر جديد مغرق فى السرية والتخفى لابسة خرق الصوفية، وانتشروا فى الهند وشمال إيران وينتسبون إلى أسرة "أغاخان".
أما عن نظريتهم فى الإمامة فيرى الدكتور الخشت أن الحركة تثبت الإمامة، وترى حتمية التعلم من الإمام، لهذا قام "الصباح" بتصديع سلطة العقل على أساس أن العقول تختلف فيما بينها، وتتوصل إلى آراء متعارضة، ومن ثم ثبت عجز العقل عن التوصل إلى الحقيقة الواحدة، كما ثبتت الحاجة إلى المعلم، هذا المعلم معصوم من الوقوع فى الخطأ والمعاصى. ولذلك يتحتم وجود الإمام والتعلم منه، فالأرض كما يقولون لا تخلو من إمام، وعلى المؤمن أن يعرف هذا الإمام ويتبعه. تؤمن الحركة بأن طبيعة الإمام ليست بشرية خالصة، وإنما يجمع فى شخصه بين ناسوت طبيعى وناسوت خاص ولاهوت؛ أما الناسوت الطبيعى للإمام فهو جسده البشرى المكون من اللحم والعظم. والناسوت الخاص للإمام هو جسد لطيف لا تدركه الأبصار، والعلاقة بين الاثنين تتمثل فى كون الأول غلافا للثانى. تؤمن الحركة أن الولاية أو الإمامة متقدمة على النبوة التى هى معينها، وشخص الولى (الإمام) متقدم على شخص النبى.


















0 تعليق