هل نستطيع أن نحدد قيمة الإنسان؟ أهي في عمله، في عقله، فيما ينتجه من أفكارٍ وإبداعات؟ هل هي في العمل الجاد وما يتصل به من قيمٍ وأخلاق؟ أم في المال الذي يجمعه والثروة التي يكتنزها؟
قيمة الإنسان تختلف في نفوس الناس؛ فكلٌّ يقدّم ما ينسجم مع ميوله وطبعه. فمنهم من يرى القيمة في المال والثروة، ومنهم من يراها في العلم وأهله، ومنهم من يجعل المنفعة ميزانًا أعلى يحكم به على كل شيء, وحين تصبح المنفعة هي المعيار، يغدو الإنسان أسيرًا لها؛ يدور حول ما يملأ بطنه ويحقق شهواته ومكاسبه. وتصبح قيمته فيما يكتسبه من متعٍ عاجلة، لا فيما يبنيه من معنى أو أثر.
كثير من الناس لا يرون في الحياة إلا طريقًا إلى المنفعة، حتى تمتد هذه النظرة إلى الدين نفسه، فيُختزل في مصالح دنيوية أو ثوابٍ مؤجل. وتبقى الأرواح أسيرة الجسد، لا ترتقي إلا بقدر ما يخدمه، ولا تطمئن إلا بما يرضيه, وفي هذا الخلل، تضيع حقيقة الإنسان؛ إذ لا توازن بين الجسد والروح، ولا عدالة في إعطاء كلٍّ حقه. فمن طغى جسده على روحه، هبط بنفسه إلى مراتب أدنى، دون أن يشعر، حتى يغدو أسير نزواته ومكاسبه, ونرى هذا النمط متكررًا في كثير من المجتمعات؛ حيث يغلب السعي وراء المصلحة المادية، ويُهمّش الضمير، ويضعف الشعور بالمسؤولية الأخلاقية. فيستيقظ الإنسان صباحًا، ولا يسبق إلى ذهنه إلا ما يحققه من ربح أو منفعة. يُختزل كل شيء في قيمته المادية. كل شيء له ثمن، وما لا يدرّ ربحًا لا قيمة له, فكل سعي وكل غاية, لا بد أن يكون من وراءه منفعة مرجوة, فالموسيقى، الأدب، الفكر، كلها تصبح كلمات بلا معنى إن لم تتحول إلى منفعة مباشرة وفي هذا التصور، يتحول الإنسان إلى كائن مادي صرف، محكوم بالحسابات لا بالمعنى، وكأن الجسد وحده هو مركز الوجود، بينما تُهمّش الروح والعقل.
الحقيقة أن النفس البشرية تميل إلى المنفعة بطبعها، لكنها قابلة للتقويم والارتقاء. فإذا تُركت دون وعيٍ أو تهذيب، انجرفت نحو الرغبة العاجلة والمصلحة الضيقة. أما إذا وُجدت تربية واعية، ومجتمع منظم، وقانون عادل، أمكن تهذيبها وتوجيهها نحو الأفضل, فالبيئة الصالحة تساهم في بناء الإنسان جسديًا وروحيًا، وتخلق توازنًا داخليًا يحدّ من الانحراف. أما البيئات الفاسدة، التي يسيطر فيها الجهل والمال والسلطة، فإنها تنتج أنماطًا مختلة، تُقدَّم فيها المصلحة على القيم، وتُختزل فيها الحياة في المكسب والخسارة.
ولا يمكن لمجتمعٍ أن ينهض إذا كانت عقيدة أفراده هي المنفعة وحدها؛ فذلك يقوده إلى التآكل الداخلي، حيث يضعف الضمير، وتنتشر المظاهر الزائفة، ويختل ميزان العدالة, إن الخلل ليس في السعي إلى المنفعة بحد ذاته، بل في تحويلها إلى قيمة مطلقة وعقيدة ثابتة, تحكم كل شيء, أما حين تُوضع في موضعها الطبيعي، ضمن منظومة أوسع من القيم، فإنها تصبح جزءًا من الحياة، لا كلّ الحياة.














0 تعليق